سم الله الرحمن الرحيم

مقدمـة:

لقد كان الهدف من إصدار قانون 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات[1] توفير التدبير المناسب لقطاع يعتبر توازنه وتدعيمه من العناصر الأساسية لتطور المناخ الاقتصادي والاجتماعي ببلادنا[2]، وتوفير تشريع يستجيب أكثر لدور وخصوصيات صناعة التأمين، وذلك من أجل تحفيز الاستثمار في قطاع يقوم بدور أساسي في حماية الأشخاص والممتلكات وجمع الادخار وتوجيهه نحو القطاعات الأكثر نجاعة ومردودية داخل الاقتصاد الوطني[3].

ويأتي هذا الإصلاح التشريعي الذي شكل وبحق ثورة على المنظومة القانونية التقليدية، لتحديث وتفعيل آليات القطاع المالي الوطني انسجاما مع ما تقضي به اتفاقية المنظمة العالمية للتجارة واتفاقيتي الشراكة مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية.

ولقد كان من الضروري وضع قانون تأمين جديد حتى يتسنى الجمع والتوفيق بين النصـوص التي يخضع لها هذا القطاع، والتي صدرت على امتداد خمسة وسبعين سنة مـن

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.238 بتاريخ 25 رجب 1423 [3 أكتوبر 2000]، الجريدة الرسمية عدد

5054 ـ 2 رمضان 1423 [7 نونبر 2002]، ص3105.

2ـ الأعمال التحضيرية لهذا القانون [عرض السيد وزير المالية حول مشروع القانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة

التأمينات]، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة "نصوص ووثائق"، العدد 74ـ2003، ص19.

3ـ وذلك من خلال السيولة المالية التي يضخها في خزانة الدولة، فمثلا في سنة 2000 وصل مبلغ الأقساط الصادرة

عن عمليات التأمين المباشرة بالمغرب إلى 10.248,03 مليون درهم، أي بزيادة 7.5 بالمائة بالمقارنة مع السنة الماضية [9.534,04 مليون درهم]. وتوزع هذا المبلغ على النحو التالي:

ـ تأمين غير تأمين الحياة: 7.271,30 مليون درهم وهو ما يعادل نسبة %70,95من المجموع مقابل 6.888,00 مليون درهم سنة 1999 أي بزيادة تقدر بـ%5,55.

ـ تأمين الحياة والرسملة: 2.976,73مليون درهم وهو ما يعادل نسبة %29,05 من المجموع مقابل 2.645,20 مليون درهم سنة 1999 أي بزيادة تقدر بـ%12,53

ويظهر من خلال توزيع هذا المبلغ، حسب شعب وأصناف التأمين، المكانة المتميزة التي يظل صنف تأمين السيارات يحتلها (%36,03) من المجموع متبوعا بشعبة تأمين الحياة والرسملة (%2905),.

    وعلى مستوى السوق العالمي للتأمين، احتل المغرب سنة 1999 الرتبة 47 بالنسبة لحجم الأقساط الصادرة [الرتبة 46 في تأمينات الحياة والرتبة في التأمينات غير التأمينات على الحياة]، أما على المستوى الإفريقي فقد احتل المغرب الرتبة الثانية بعد جنوب إفريقيا، ويحتل المرتبة الأولى في العالم العربي.

    أما بالنسبة لحصة أقساط التأمين في الناتج الداخلي الخام فقد احتل المغرب الرتبة 41 عالميا بنسبة%2,78 والرتبة الخامسة إفريقيا والأولى عربيا.

    ويتكون سوق التأمين وإعادة التأمين بالمغرب حاليا من 18 مقاولة منها 15 مقاولة تجارية وثلاثة تعاضديات، تزاول عشرة مقاولات من هذا المجموع جميع أصناف التأمين، فيما تختص ثلاث مقاولات في عمليات التأمين غير تأمين الحياة، وواحدة في عمليات تأمين الحياة والرسملة، ومقاولتان في عمليات الإسعاف، وواحدة في تأمين القرض، وأخرى في إعادة التأمين. وقد شهدت سنة 2000 عمليتي إدماج بين مقاولات التأمين: الأولى بين الشركة الإفريقية للتأمين وأكسا الأمان، والثانية بين الرابطة الإفريقية للتأمين وشركة التأمين الوطنية.

ـ معطيات تتعلق بالتأمين، المرجع السابق، ص43.

1920 إلى 1995، ووضع إطار قانوني وتقني يقي مكتسباته ويحمي المؤمن لهم مع فتح آفاق جديدة فيما يتعلق بالحماية والادخار[1].

وتتجلى أهمية هذا القانون في كونه يلائم التشريعات الحديثة في هذا المجال[2]، ومتقدم جدا سواء من حيث الصياغة اللغوية أو المضمون، أو من حيث جمعه لشتات نصوص أغلبها يرجع إلى الحقبة الاستعمارية عالجت في مجملها موضوع التأمين على مراحل، ونظرا لكثرتها كانت مقتضياتها متضاربة مما جعل الاجتهاد لا يتوحد حولها، كما اتسمت ترجمتها إلى العربية بالركاكة في أحيان كثيرة.

كما هدف هذا القانون إلى استيعاب التغيرات والتقنيات التي طرأت على صناعة التأمين ووضع تعريفات مدققة وواضحة، ورغم اعتماده على فكرة العقد الإذعاني فإنه يضمن التوازن والحماية الكبيرة للطرف الضعيف ويسهل عملية المراقبة التي تقوم بها الإدارة في هذا المجال[3].

فحماية الطرف الضعيف في عقد التأمين، وفق هذا المنظور، لم تشمل فقط الجانب القانوني الصرف [الضمانات القانونية] المتعلقة بتكوين وتنفيذ وانقضاء العقد، وإنما شملت أيضا الجانب المالي المتعلق بالرقابة على أوجه صرف مقاولات التأمين لأقساط التأمين [الضمانات المالية لتنفيذ عقد التأمين].

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ عرض السيد وزير المالية، مرجع سابق، ص20.

2ـ التوجيهة الأوربية رقم 49/92 الصادرة بتاريخ 18/6/92 المتعلقة بالتأمين المباشر على غير تأمين الحياة.

RGAT 1992, n°3, p.690.

   ـ مدونة التأمينات الفرنسية وأيضا قانون التأمين الإسباني الصادر بتاريخ 25/6/92

   ـ للمزيد من التعمق حول القانون الأوربي للتأمين، يراجع:

-       H. Claassens, H. Cousy, Le cadre général des directives de la troisième génération, in L’Europe de l’assurance, Les directives de la troisième génération, Université Catholique de Louvain, Bruylant Bruxelles, Belgique, p.45.

-       E . Hübner, La protection du consommateur dans l’Europe de l’assurance,op. cit, p111.

- R. Van Compel, Quelles perspectives pour les directives de la troisième génération dans

L’Europe de l’assurance? Op. cit, p.129.

         - Bernard Dubuisson, Unité ou diversité des notions d’intérêt général d’ordre publique et de normes impératives dans les directives communautaires relatives aux assurances, op. cit. p.187.

3ـ المناقشة العامة البرلمانية لمشروع القانون رقم 17.99، مرجع سابق، ص32.

   ـ نفس هاجس حماية الطرف الضعيف في عقد التأمين هو ما أكدت عليه الأعمال التحضيرية لكل من قانوني

      التأمين الفرنسي والقانون المدني المصري، انظر:

- Jérôme Hullmann, Les relations entre assureurs et assurés en droit français, in La

Protection de la partie faible dans les rapports contractuels, LGDJ 1996, p.349

ـ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني المصري، عقود الغرر والتأمين، المجلد التاسع، القسم

     الثاني، دار النهضة القاهرة، ص1157.

ويقوم هذا الإصلاح على فلسفة وسياسة دولية جديدة تعنى بحماية المستهلك[1]، عادة ما تقوم على الإنصاف والعدالة، فعلى الرغم من أن هذين المبدأين ليس لهما وجود في اقتصاد السوق أو في المعاملات والصفقات، إلا أن التشريعات المختلفة تتبناهما، لأن المستهلك طرف لا يملك المقدرة المالية، ولأنه محجوب من الحصول على البيانات الضرورية، وعليه فإن الدولة تتدخل لضمان تحقيق المبدأين المذكورين أعلاه، وهذا ما يسمى أو يطلق عليه بالتدخل الإيجابي، وهو يرتكز:

ـ أولا: على أساس تشجيع الدولة للاقتصاد الحر وليس للاقتصاد الموجه، ويمكن تحقيق ذلك بعنصرين: الأول استدلالي أو تفسيري وذلك بإيجاد قواعد قانونية تضمن شفافية العمليات في السوق، ومثالها حرية الأشخاص في الدخول وإبرام العقود، أما العنصر الثاني أو ما يطلق عليه بالعنصر الآمر ففيه تسَنُّ قواعد قانونية توجه السوق[2].

ـ ثانيا: توفير حماية للطرف الضعيف في العقد من خلال سن قواعد قانونية آمرة تحقيقا للعدالة ولمتطلبات استقرار التوازن العقدي.

وتقتضي دراستنا لموضوع الحماية القانونية للطرف الضعيف في عقد التأمين البري التمهيد له من خلال بحث ماهية الطرف الضعيف في نظرية العقد بوجه عام، وفي عقد التأمين

ــــــــــــــــــــــــــــ

* المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة فيما يخص حماية المستهلك الصادرة سنة 1985، وقد سعت هذه المبادئ إلى :

         ـ توفير السلامة المادية للمستهلك ـ تعزيز وحماية المصالح الاقتصادية للمستهلك ـ ضمان السلامة وجودة  السلع الاستهلاكية والخدمات ـ تحقيق تسهيل التوزيع للسلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية ـ تشجيع التدابير التي تمكن المستهلك من الحصول على تعويض ـ وضع برامج التثقيف والإعلام.

    * تصريح المؤتمر السادس عشر الدولي حول الاستهلاك [المنظمة الدولية لحماية المستهلك]،

  * الإعلان الأوربي لحماية المستهلك الصار سنة 1973.

    * التوجيهة الأوربية رقم 11/93 الصادرة بتاريخ 5/4/1993 المتعلقة بالشروط التعسفية،

    * التوجيهة الأوربية رقم 19/2000 المتعلقة بتقديم وعنونة وإشهار المواد الغذائية، بالإضافة إلى عدة توجيهات

       وتوصيات وقرارات أوربية قطاعية.

       للاطلاع على هذه النصوص يراجع موقع الاتحاد الأوربي على الأنترنيت: www.europa.en.int

     ـ وانظر أيضا:

-  Christine Biquet Mathieu, Droit communautaire de la consommation, Cours destiné aux étudiants de l’UFR, Droit de la concurrence et de la consommation, Faculté de Droit, Fès, février 2004

للتعمق بشأن النظام القانوني والمؤسساتي الأوربي، يراجع:

-     Nour-Eddine Toujgani, Introduction à l’étude de l’ordre juridique et institutionnel communautaire, Cours polycopié destiné aux étudiants de l’UFR, Droit de la concurrence et de la consommation, Faculté de Droit – Fès, Année  2003-2004, p. 4 et suiv.

2ـ محمود أحمد الكنـدري، دور القـانون التجاري في حماية المستهلك في الكويـت، دراسة مقـارنة في التـشريع

الانجليزي والأمريكي والفرنسي، ملخص رسالة دكتوراه، جامعة إكستر البريطانية، 1996، مجلة الحقوق الكويتية، عدد 1، السنة 22، مارس 1998، ص379.

بوجه خاص، لننتقل إلى الحديث عن خصائص عقد التأمين وعن الضمانات الحمائية التي تحكمه، وأخيرا منهج البحث وخطته.

      ـ أولا: ماهية الطرف الضعيف في العقد

1ـ ماهية الطرف الضعيف في العقد بوجه عـام

المقصود بالطرف الضعيف، الطرف الذي تنقصه القوة Vigueur أو القوة الجسمية Force physique أو المعنوية Morale[1].

وقد اعتبر الأستاذ فريدريك لوكليرك Frederic Leclerc بأن الضعف يتضح من خلال علاقة تعاقدية بين شخصين يحكمهما التخوف بحكم ضعف أحدهما وذلك لأسبـاب متعددة[2]:

        1ـ ضعف المؤهلات الجسمية والنفسية[3]،

        2ـ ضعف المؤهلات التقنية[4].

ــــــــــــــــــــــــ

1- Dictionnaire Encyclopédique Larousse, 1993, p.426

         ذكره ذ. محمد بوزلافة، الحماية القانونية للمتعاقد الضعيف في القانون الخاص. دراسة في العقد الدولي.

    أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، كلية الحقوق بفاس، 2001ـ2002، ص4، هامش رقم 7.

2- Frederic Leclerc, La protection de la partie faible dans les contrats internationaux (Etude de

      Conflits de lois. Tome 1, Thèse / Université Rebert Schumann  de Strasbourg, p.11.

3ـ ويتمثـل الضعف الذي يلحق المؤهلات الجسمية إما في كون الشخص:

      ـ  عديم الأهلية أو ناقصها [المادة 224 وما يليها من مدونة الأسرة والفصل 4 وما يليه من ظ.ل.ع] أو كهـل

عجوز، وهكذا جاء في حكم لابتدائية وزان صادر بتاريخ 8/10/97: « الشيخوخة المصحوبة بعدم التمييز والإدراك تجعل الشخص غير قادر على إجراء التصرفات القانونية وتبرر وضعه تحت الحجر»، مجلة الإشعاع، عدد 21، ص172.

         ـ أو معاق، يراجع: محمد الحجوجي، حماية المتعاقد حركيا، مجلة الإشعاع، عدد 24، ص51.

         أما فيما يتعلق بالجانب النفسي، فإن الضعف يتمثل إما بإصابة الشخص بمرض نفسي، أو عقلي وغير ذلك من

الحالات المشابهة [الفصل 54 من ق.ل.ع].

4ـ ويتمثل إما في ضعف التجربة أو الخبرة أو الكفاءة أو [الأمية ف.426 من ق.ل.ع] أو الحاجة إلى السلعة أو

الخدمة، مما يعرض المستهلك لغبن المهني، ولاشك أن تفسير القضاء المغربي للفصل 54 من ق.ل.ع بأنه يعالج نظرية الغبن الاستغلالي [راجع: محمد شيلح، في مشاكل الفصل 54 من ق.ل.ع.م من حيث تحديد طبيعة عيوب الإرادة المنصوص عليها فيه وشروط الإبطال المبني عليها من خلال التعليق على القرار رقم 1625 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 13/6/88، مجلة القانون والاقتصاد، عدد 7، السنة 1991، ص113] من شأنه  أن يعيد النظر في ظاهرة اختلال التوازن العقدي ومحاربة الشروط التعسفية شريطة إدخال ضعف التجربة أو الخبرة أو الكفاءة كمعطى نفسي خاص ضمن حالة المرض، وتوسيع العنصر المادي، الذي هو عنصر عدم تعادل التزامات الطرفين، من معطى حسابي رقمي إلى معطى موضوعي [عدم التوازن في الشروط وليس فقط في الثمن].

3ـ غياب توازن بين أطراف العلاقة التعاقدية بحكم الظروف الاقتصادية والاجتماعية لأحدهما.

فوجود الطرف القوي "المهني" في وضعية أقوى اقتصاديا وماليا وفنيا وقانونيا[1] ناتج عن وضعه المهيمن في السوق أو احتكار للسلعة أو الخدمة أو على الأقل سيطرته عليها سيطرة تجعل المنافسة فيها محدودة النطاق بتأثير عوامل الإنتاج والتوزيع، وكذا بامتلاكه للمعلومات والمعارف بشأن أساليب أو خصائص إنتاج أو تداول السلعة أو الخدمة، أو معرفته المعمقة والدقيقة بقانون وشروط العقد.

فاختلاف المراكـز التعاقدية نتيجة اختلال موازين القوى أدى إلى استغلال الضعيف[2] من لدن القوي، حيث ساهم ذلك في:

ـ جهل المتعاقد الضعيف بالقانون أو الواقع نتيجة تعاقده خارج تخصصه.

ـ تعقد سوق السلع والخدمات.

ـ صعوبة أو استحالة فهم الوثائق التعاقدية إما لأسباب راجعة للطرف الضعيف أو لسوء صياغة العقد.

ـ عدم أخذ المتعاقد الضعيف الوقت الكافي للمقارنة بين مشاريع وشروط العقد المعروضة من طرف المهنيين.

ـ انتشار الشروط النموذجية في العقود نتيجة استفراد الطرف المهني "المشرع" بتنظيم منفرد وموحد للعقد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Marcel Fontaine, La protection de la partie faible dans les rapports contractuels. Rapport de synthèse

   in le Centre des Droit des Obligations de l’Université de Paris I et le Centre de Droit  des Obligations 

   de  l’Université  Catholique  de  Louvain  (Comparaisons  franco-belges). LGDJ,  1996, p.614.

2- Anne Sinay-Cytermann, Les relations entre professionnels et consommateurs en droit français

         (rapport français, op. cit, p.261).

   - Paul –Henay Delvaux, Les contrats d’adhésion et les clauses abusives en droit belge, op. cit, p. 78.

   - Guido Alpa, La protection de la partie faible en droit Italien, op. cit, p.584.

   - Pierre Ternier, La protection de la partie faible en droit suisse, op. cit, p. 605.

   - Denis Philippe, La protection de la partie faible en droit international. Rapport belge, op. cit, p554.

   - Bernard Maingain, Les relations entre employeurs et salariés en droit belge. op. cit, p143.

   - Gérard Courtier, Les relations entre employeurs et salariés en droit français (rapport français,

         op. cit, p.143.

- Jérôme Hullmann, Les relations entre assureurs et assurés en droit français, op. cit,p.358.

  - Jacques Ghestin et Isabelle Marchessaux Van Melle, Les contrats d’adhésion et les clauses

        abusives en droit français et en droit européens (rapport français, op. cit, p.9).

   - J. Ghestin, Droit civil, la formation du contrat, 3ème éd. LGDJ 1993, Paris, p.53.

ـ اعتقاد المتعاقد الضعيف بصفة خاطئة إما بقانونية أو شرعية الشروط النموذجية أو بكونها موحدة في السوق[1].

ـ الحاجة الضرورية أو المستعجلة للسلعة أو الخدمة إما واقعا أو قانونا.

ـ ظهور أشكال جديدة لتمويل السلعة أو الخدمة عن طريق القرض.

ـ ظهور أشكال جديدة للحث على التعاقد كالإشهار.

ـ ظهور أشكال جديدة لتوزيع السلع أو الخدمات كالبيع في محل الإقامة Démarchage à domicile.

ولما كان الاحتياج أو عدم الخبرة لا يعتبر في حد ذاته عيبا من عيوب الإرادة[2] فقد استلزم ذلك البحث عن التوازن العقدي خارج نطاق القواعد العامة لنظرية العقد التي أصبحت قاصرة عن توفير حماية فعالة لرضى الطرف الضعيف، ولعل ذلك ناجم بشكل مباشر عن استمرارية سيادة مبدأ سلطان الإرادة.

في ظل هذه المعطيات ظهر المستهلك باعتباره شخصية رئيسية وغير مجرب وسهل الإيقاع به لأن عدم كفاءته الفعلية أو القانونية لا تمكنه من مناقشة بنود العقد، كما أن عدم خبرته القانونية لا تسمح له بتقدير آثار هذه البنود على مركزه القانوني وعلى مركزه المالي[3].

فالجانب المعرفي للإرادة لا شك أنه أهم عامل من عوامل تكوين هذه الإرادة وتقييم كافة الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب عنها في إطار المعاملات المدنية[4].

فحرية ووعي الإرادة شرطا لوجودها في نظر القانون ولن يتحقق هذا الشرط إلا إذا توافر لكل من الطرفين العلم الكافي بالبيانات والمعلومات التي تتصل بالعقد المراد إبرامه[5].

        2ـ ماهية الطرف الضعيف في عقد التأمين

        إن الطرف الضعيف في عقد التأمين لا يختلف في شيء من حيث خصائص الضعف الملحوظة عما رأينا، من حيث كونه شخصا عديم الخبرة أو التجربة أو الكفاءة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Abdellah Boudahrain, Le droit de la consommation au Maroc, Al Madariss, 1999, p.144, n°84.

2ـ عبد الباسط اجميعي، أثر عدم التكافؤ بين المتعاقدين على شروط العقد، دار النهضة العربية، القاهرة،1996،ص59

3ـ أحمد محمد محمد الرفاعي، الحماية المدنية للمستهلك إزاء المضمون العقدي، دار النهضة العربية القاهرة، 1994، 

     ص6.

4ـ مصطفى أبو مندور موسى، دور العلم بالبيانات عند تكوين العلاقة العقدية، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه

في الحقوق، كلية الحقوق، القاهرة، 2000، ص3.

5ـ نفسه، ص5.

        فصناعة التأمين صناعة معقدة لاتسامها بتقنية بالغة نتيجة اعتمادها على علم الإحصاء، ومما يضاعف من صعوبة فهمها الشروط القانونية والفنية التي يقوم عليها عقد التأمين[1].

        فالطرف الضعيف في عقد التأمين يحمل أحد ثلاث صفات:

                أـ صفة المكتتب أو المتعاقد

                ب ـ  صفة المؤمن له

                ج ـ صفة المستفيد.

        أـ المكتتب أو المتعاقد: هو كل شخص طبيعي أو معنوي يبرم عقد التأمين لحسابه أو لحساب الغير، ويلتزم بموجبه تجاه المؤمن بتسديد قسط التأمين، وبتنفيذ الالتزامات المقابلة لالتزامات المؤمن له.

        ب ـ المؤمن له: هو كل شخص طبيعي أو معنوي يرتكز التأمين عليه أو على مصالحه، فهو الشخص المهدد بالخطر المؤمن منه[2].

ج ـ المستفيد: هو كل شخص طبيعي أو معنوي يعينه مكتتب التأمين والذي يحصل على رأس المال أو الإيراد المستحق من المؤمن عند وقوع الكارثة المؤمن منها[3].

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ عابدين ولد الخير، الحماية القانونية للمؤمن له أثناء تكوين العقد، دراسة مقارنة في القانونين المغربي والموريتاني،

      رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية الحقوق بالبيضاء، السنة الجامعية 96/97، ص26.

2ـ وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى صادر بتاريخ 07/04/2004: «يعتبر مؤمنا له كل شخص مأذون له من المكتتب وصاحب الناقلة في حراستها وسياقتها وذلك عن مسؤوليته المدنية أثناء وخارج سير الناقلة المؤمن عليها طبقا لمقتضيات الفصل 3 من ش.ن.ع. للتأمين وأن مناط الضمان أساسه المسؤولية عن الحادثة لأن الأمر لا يتعلق بتأمين خاص حتى يمكن البحث في قيامه بمعزل عن المسؤولية المدنية للمؤمن له عن الحادثة، لأن شركة التأمين تحل محل هذا الأخير متى ثبتت مسؤوليته المدنية تجاه الغير ولما كان المسؤول عن الحادثة في إطار القواعد العامة موروث الطالبين، وأنهم في إطار نفس القواعد يعتبرون خلفا له في تحملها، فإن المحكمة لما قضت برفض طلبهم بعلة أن الهالك هو الذي تسبب في إحداث الضرر لنفسه في الوقت الذي كانت له الحراسة الفعلية فضلا عن أن الحادثة وقعت بخطئه لعدم اتخاذه الاحتياطات اللازمة لتفاديها، تكون قد عللت قرارها بشكل سليم». مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 62، ص81.

كما جاء في قرار آخر صادر بتاريخ 15/3/2001: «إن توقيع عقد التأمين من المكتتب غير مالك الناقلة يجعل هذا الأخير مؤمنا له والدفع بانعدام الضمان على أساس أن المكتتب، غير مالك العربة، غير مؤسس.»، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد مزدوج 59/60، ص85.

3ـ ولا يعتبر الغير المتضرر وفق هذا المنظور مستفيدا، وهكذا جاء في قرار للمجلس الأعلى صادر بتاريخ 4/5/2005: «إن العقد المبرم بين شركة التأمين وبين المصحة لضمان الأضرار التي تصيب المرضى بسبب الأخطاء المرتكبة من طرف الأطباء العاملين بها يخول للمرضى المذكورين، ولو لم يكونوا أطرافا في عقد التأمين، حق رفع الدعوى المباشرة على الشركة لتعويض الأضرار اللاحقة بهم وفقا للقواعد المبنية على الاشتراط لمصلحة الغير»، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 63، ص81.

        وليست لهذا الأمر أية أهمية من حيث الإيضاح القانوني إلا في بعض أنواع التأمين، كالتأمين على الحياة والتأمين ضد الحوادث [الإصابات] التي يكون فيها عادة طالب التأمين أو المؤمن له أو المستفيد أشخاص مختلفة، أما فيما عدا هذه الأنواع فيستعمل اصطلاح المكتتب أو المؤمن له أو المستفيد للدلالة على الشخص المتعاقد مع المؤمن.

        فعدم المساواة بين الأطراف ليس بجديد لكنه يمثل في الوضعية الحالية مظاهر جديدة[1].

        فالشروط موحدة في كل نطاق الخدمات غير أن الوضع يزداد سوءا إذا علمنا أن الخدمة مثـل خدمة التأمين لا غنى عنها للمستهلك، وفي الوقت الذي تتمتع فيه شركات التأمين بوضع "احتكاري"، يجد المؤمن له نفسه طرفا في عقد التأمين لم يحدد التكلفة الحقيقية له، ولا إشـارة فيه للالتزامات التي يتحملها بمقتضى العقد، كما قـد لا تتوفر فـي الخدمة الشـروط المتوقعة أو المنتظرة من المتعاقد.

        ويترتب على عدم المساواة تلك، غياب النقاش الحقيقي بين طرفي العقد فلا يستطيع المستهلك أن يكون ندا للمهنيين نظرا لوضع الضعف الذي هو عليه، فالعلاقة بين قوي وضعيف لا يمكن أن تكون عادلة وإنما يقول البعض أنه بين القوي والضعيف فإن الحرية التي تنتهك والقانون الذي يتم تخطيه أو تجاوزه[2] ما دام أنه مجرد قواعد مكملة.

        لكن في بعض الأحيان يكون الطرف الضعيف في العقد واع بالالتزام المعقود ولكنه ملزم بقبول الشروط المضمنة به لأنه لا تتوافر لديه حرية الاختيار أي القدرة على المفاوضة والمساومة لمناقشة بنود وشروط العقد[3].

        فحماية الطرف الضعيف في العقد أو المستهلك أو الجاهل أصبحت في الوقت الراهـن هدفا في جميع النظم القانونية[4]، وكان من بين الوسائل التي تم اعتمادها تقنية التدخل التشريعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Jacques Ghestin, op. cit, p.45.

2ـ أحمد محمد محمد الرفاعي، مرجع سابق، ص5.

3- Marcel Fontaine, op. cit, p.614.

4- Jean-Michel Rothmann, La loi renforçant la protection du consommateur et l’assurance (en droit

    belge), RGAT 1992, n°3, p.445.

   - Bernard Viret, Les limites de la liberté contractuelle en droit suisse du contrat d’assurance,  RGAT

     1995, n°3, p.509.

الآمر في العقد كآلية مهمة لتحقيق التوازن العقدي تحقيقا لمتطلبات العدالة[1].

        فحرية وكرامة الإنسان تعدت الجانب السياسي المرتبط بالحريات العامة إلى الجانب القانوني المتعلق بالحرية التعاقدية المقيدة بمراعاة مبادئ المساواة والعدالة، وبتجنب الظلم والتعسف وذلك بتوفير الأمن والسلامة القانونية للمعاملات التعاقدية.

ـ ثانيـا: خصائص عقد التأمين

من خصائص عقد التأمين التي تهمنا في هذه الدراسة والتي تتمحور حولها إشكالية حماية الطرف الضعيف، أنه عقد إذعان ينتمي إلى عقود الاستهلاك، كما أنه عقد من عقود حسن النية، فضلا عن ذلك فإنه يكتسب الصفة المدنية أو التجارية بحسب صفة أطرافه.

1ـ عقد التأمين من عقود الإذعــان

يعرف عقد الإذعان بأنه عقد يتحدد مضمونه التعاقدي كليا أو جزئيا بشكل مجرد وعام قبل المرحلة التعاقدية.

فمن خصائصه أنه ينعقد بدون مفاوضة سابقة مما يجعل مضمونه يتحدد بشكل أحادي وفردي من جانب المذعن.

هذه الإرادة الفردية أو الأحادية هي التي تتولى تحديد اقتصاد العقد أو بعض عناصره، أما إرادة المذعن فلا تتدخل إلا من أجل منح فعالية قانونية لهذه الإرادة الأحادية[2].

فعقد الإذعان يجعل الطرف المذعن ينضم إلى عقد نموذجي حرر بصفة انفرادية  من طرف المذعن دون أن يكون للأول أي إمكانية حقيقية لتعديله.

ويمكن إجمالا تحديد خصائص عقد الإذعان حسب الفقه الفرنسي عبر توافرعنصرين[3]:

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ويـرى أستاذنا عبد العزيز العتيقي أنه: « يمكن النظر إلى تطور القانون باعتباره "صراعا" أو تنافسا بين سلطة

القانون الاتفاقي وسلطة القانون الدولتي Etatique، وهو صراع أذكته مجموعة من العوامل واستند إلى عدة اعتبارات ومبادئ حسب المجالات القانونية.

ومن تم يمكن قراءة حصيلة هذا التنافس وبالتالي ثقل كل من السلطتين حسب النظام القانوني لكل بلد، وضمنه حسب كل مجال قانوني على حدة.

ويبدو أن مجال حماية المستهلك قد شكل حقلا خصبا لهذه "التنافسية القانونية"». امتحان دبلوم الدراسات المعمقة، وحدة قانون المنافسة والاستهلاك، دورة يوليوز 2004، مادة النظرية العامة للالتزام والمسؤولية المدنية.

2- Georges Berlioz, Le contrat d’adhésion, Préface Berthold Goldman, 2ème édition, LGDJ

     Paris, 1976, p27 et suiv.

3- Georges Berlioz, op. cit, p30 et suiv.     J. Ghestin, op. cit, p.50.

ـ وضع شروط التعاقد مسبقا من أحد الأطراف وعرضها على الجمهور في شكل موحد.

ـ تسليم الطرف الآخر بكل شروط العقد ودون إمكانية مناقشتها[1].

أما شرط وجوب الموجب في وضعية المتفوق اقتصاديا أو تقنيا[2] فيمكن اعتباره شرطا ضمنيا من خلال الشرطين السابقين.

وتمتاز أيضا عقود الإذعان بأنها عقود ضرورية لا غنى عنها[3] بالنسبة لجمهور المستهلكين أو المنتفعين.

وبعد عرض خصائص عقد التأمين يمكن الجزم بأن عقد التأمين عقد إذعان يضم كافة العناصر المميزة لهذه الفئة من العقود[4] إذ أن مضمونه يتحدد بصفة مسبقة من جانب المؤمن ويعرض على الجمهور في شكل موحد، ويقتصر المؤمن لهم فيه على التسليم والانضمام للعقد دون إمكانية مناقشته أو تعديله نظرا للقوة الاقتصادية والفنية التي تتمتع بها مقاولات التأمين والتي تخول لها فرض شروطها باعتبارها الطرف القوى في العقد بحكم احترافها وخبرتها، الشيء الذي يجعلها والزبون في وضعية غير متكافئة ومتناقضة على اعتبار أن الأول له دراية وحنكة بموضوع العقد والثاني لا يهمه من العلاقة إلا الآثار القانونية والاجتماعية للعقد[5].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ وقد عرف القضاء المغربي عقود الإذعان بأنها العقود التي لا يكون فيها أي خيار للمتعاقد سوى الإذعان للشروط التي يمليها المتعاقد الآخر إن أراد فعلا التعاقد. قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 10/5/2001، التقرير السنوي للمجلس الأعلى، 2001، ص158.

     وعلى خلاف ذلك، فإن الفقه والقضاء المصريين ضيقا إلى حد كبير من عقد الإذعان بحيث اشترطا توافر ثلاث عناصر لاعتبار العقد عقد إذعان وهي:  أن يتعلق العقد بسلع أو خدمات تعد من الضروريات التي لا يمكن للمستهلكين الاستغناء عنها،  أن يكون أحد الطرفين في مركز اقتصادي يخوله احتكار هذه السلع والخدمات احتكارا قانونيا أو فعليا، أو تكون المنافسة محددة النطاق في شأنها،  أن يكون الإيجاب عاما وبشروط واحدة ولمدة غير محددة. انظر: ـ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام. مصادر الالتزام،

    المجلد الأول، النهضة العربية. ص229 وما بعدها

      ـ  عبد المنعم فرج الصدة، عقود الإذعان في القانون المصري. رسالة . القاهرة. 1946. ص77 فقرة 53.

       ومن المهم الإشارة إلى أنه من الآثار القانونية على تكييف العقد بأنه عقد إذعان في القانون المدني المصري،

منح القاضي سلطة تعديل الشروط التعسفية أو إعفاء الطرف المذعن منها [ف.149]، وكذلك تفسير الشك لصالح المذعن دائنا كان أو مدين [ف.1515]، على خلاف الأمر في القـانونين المدنيين الفرنسي والمغربي، فإنه لا يترتب عن هذا التكييف إلا تفسير العقد في مصلحة المذعن [للمزيد من التعمق، تراجع ص.185 وما بعدها من هذا البحث].

2ـ العربي مياد، عقود الإذعان دراسة مقارنة، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط, ط1/2004،ص49.

-   Antoine Missol, L’assurance contrat d’adhésion et le problème de la protection de

l’assuré, Thèse pour le Doctorat en Droit, Librairie Arthur Rousseau, Paris, 1934, p.16.

3- Antoine Missol, op.cit, p.18.

4- Ibid, p.22.

5ـ العربي مياد، مرجع سابق، ص 53.

فشركات التأمين مثلا تتوفر على خبراء قانونيين بشكل يجعلها تتوفر على كل المعطيات القانونية والاقتصادية للعملية التعاقدية لدراسة عقود التأمين من حيث الشروط القانونية للعقد واحتمالات وقوع الحوادث طبقا لعلم الإحصاء، وتحدد على ضوئه أقساط التأمين ومبلغ التأمين، في حين نجد الطرف المؤمن له يجهل كل هذه الأمور التقنية التي أخذت بعين الاعتبار أثناء إبرام العقد، فضلا عن عدم تمكنه من فهم لغة وثائق التأمين التي تتسم ببالغ التعقيد مما يكون له انعكاسات خطيرة على مصالحه الاقتصادية.

        ذلك أن معارضة مبدأ سلطان الإرادة للتدخل من أجل إعادة التوازن لعقد التأمين أقيم على أساس اعتبارات مصطنعة وشكلية مفادها أن كل الالتزامات التي يرتضيها أطراف العقد هي عادلة وتتمتع بالقوة الملزمة طبقا لمبدأي الحرية والعدالة التعاقدية.

فتدخل المشرع جاء لتهذيب هذا المبدأ لجعل الحرية والعدالة التعاقدية أقرب إلى الحقيقة منه إلى محض الخيال والافتراء، بأن تدخل في تنظيم عقد التأمين لحماية المؤمن لهم بقواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها تمنع الجانب القوي من الجور على الطرف الآخر عبر حماية رضا الطرف الضعيف في العقد بإلزام المؤمن بإعلامه بشروط العقد وبأحوال السقوط وانعدام التأمين وكذا بمنعه من إدراج الشروط التعسفية في العقد.

عقد التأمين من عقود الاستهلاك

إن اعتبار عقد التأمين من عقود الاستهلاك يستلزم منا بحث مفهومي المستهلك والمهني، وأخيرا ماهية العقد الاستهلاكي.

           أـ مفهوم المستهلك

        لم يعرف المشرع المغربي المستهلك سواء في النصوص العامة أو النصوص الخاصة التي لها صلة بحماية المستهلك كقانون 5/10/1984 المتعلق بقمع الغش في البضائع التي اكتفت باستعمال عبارات واسعة ومحايدة مثل الزبون أو المشتري أوالعموم.

        وإن كان قانون 06/99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة قد استعمل مصطلح المستهلك إلا أنه لم يورد تعريفا له تاركا هذه المهمة للفقه والقضاء[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ وقد عرفته اللجنة المنظمة لأشغال ندوة حماية المستهلك بالمغرب بأنه «كل ضعيف في العلاقة التعـاقدية متى كان

ضعفه راجعا إلى كونه غير محترف وجاهل بموضوع المعاملة محل التعاقد كـالمؤمن له في عقد التأمين. وبصفة عامة الطرف الذي تملى عليه شروط عقد الإذعان»، أشغال ندوة حماية المستهلك المنظمة من طرف شعبة القانون الخاص بكلية الحقوق بفاس يومي 3 و 4 دجنبر 1993، مجلة القانون والاقتصاد. العدد العاشر ص12.

        وقد عرفه مقترح القانون المغربي المتعلق بإخبار وحماية المستهلك[1] بأنه كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل لأغراض غير مهنية منتوجات أو خدمات معروضة في السوق.

        وإذا كان قانون الاستهلاك الفرنسي هو الآخر لم يعرف المستهلك[2] فإن الأعمال التحضيرية لهـذا القانون المعدة من طرف لجنة "Refonte" عرفت هذه الفئة بأنهم الأشخـاص الذين يكتسبون أو يستعملون الأموال أو الخدمات لغرض غير مهني[3].

        من هذا التعريف يستخلص أنه لاكتساب صفة المستهلك يجب توافر ثلاث عناصر:

        1ـ أن يكون من الأشخاص الذين يكتسبون السلع أوالخدمات،

2ـ أن يتعلق محل العقد بالسلع والخدمات،

        3ـ الغرض غير المهني أي أن يكون الغرض شخصي أو عائلي.

        ويعتبر المعيار الأخير هو المعيار الحاسم للتمييز بين المستهلك والمهني لأنه في الحقيقة يشكل قاعدة لقانون الاستهلاك بأكمله ما دام أن المستهلك المتعاقد هو الموضوع الرئيسي لقانون الاستهلاك[4].

        وقد حاول بعض الفقه مدعما ببعض الاجتهادات القضائية التوسع في مفهوم المستهلك ليشمل حتى المهنيين الذين يتعاقدون خارج نطاق تخصصهم لكونهم يفتقدون لوسائل الدفاع كالمستهلك العادي، لكن جانبا آخر من الفقه والقضاء رفض تمديد هذه الحماية لأنها ستؤدي إلى التوسيع في مفهوم المستهلك وإلى عدم تحديد نطاق وحدود قانون الاستهلاك[5].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ المقدم من طرف الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، والمسجل تحت رقم 27 وتاريخ 13/6/2003، والذي تم إعداده من طرف مركز قانون الالتزامات والعقود بكلية الحقوق بفاس بتعاون مع جمعية أطلس سايس "لجنة حماية المستهلك".

2- Sinay-Cyterman, op. Cit, p.259.

     - Pizzio (J.P), L’Introduction à la notion de consommateur en droit français, Dalloz n°13 mars

            1982, chron. P.91.

- Henri et Léon Mazeaud, Jean Mazeaud, François Chabas, TII, 1er V., Obligations, théories

générales, 9ème éd. Par François Chabas, MontChrestien, Delta Liban, 2000, p.29.

3- Jean Calais Auloy, Proposition pour un nouveau droit de la consommation, collection des rapports

officiels, la documentation française, 1985, p.18.

4- J.C. Auloy, Droit de la consommation, 3ème éd. 1992, D. p.4 et suiv.

5- J.C. Auloy, op. cit, p. 49.

        ب ـ مفهوم المهني

        على خلاف المستهلك فإن المهني هو الذي يتعاقد لتلبية أغراض مهنية[1] فهو كل بائع سلعة أو مقدم خدمة بصفة اعتيادية أو مهنية موجهة للمستهلك[2].

        والمهنة تتسع لتشمل جميع المجالات التي تدور فيها الحلقة الاقتصادية سواء كانت داخلة في الإنتاج أو التوزيع أو تقديم الخدمات وكيفما كان الشكل الذي يتخذه المشروع المهني وسواء أكان المهني شخصا طبيعيا أو معنويا.

        ج ـ مفهوم العقد الاستهلاكي

        فالعقد الاستهلاكي هو العقد الذي يربط المستهلك بالمهني والذي يسمح لهذا الأخير بالحصول على السلعة أو الخدمة لغرض تلبية حاجاته الشخصية أو العائلية.

        وعقد التأمين وفقا لهذا المفهوم يعتبر عقدا من عقود الاستهلاك كأصل عام لأنه يجمع بين مقاولات التأمين وإعادة التأمين التي تتعاقد لأغراض مهنة التأمين باعتبارها من عقود الخدمات ذات الطبيعة المالية وبين المؤمن له باعتبارهم مستهلكي خدمات التأمين الذين يقتنون هذه الخدمة لأغراض شخصية أو عائلية.

        لكنه لا يمكن إسباغ صفة العقد الاستهلاكي على عقد التأمين متى كان المؤمن له يتعاقد لأغراض مهنية كالتأمين على المسؤولية المهنية.

        وتبرز أهمية إضفاء طابع عقد الاستهلاك على عقد التأمين لكونه في إطار التشريعات المقارنة أصبحت نظرية العقد الاستهلاكي بمثابة الشريعة العامة لجميع عقود الاستهلاك بحيث يرجع إليها للاستفادة من نظام الشروط التعسفية أو غيرها من الأنظمة القانونية المرصودة لحماية المستهلك  والتي تستهدف الحد من ظاهرة الاختلال في التوازن العقدي.

        لكن في إطار التشريع المغربي وفي غياب نظرية عامة لعقد الاستهلاك تبقى الحماية الأساسية المتاحة هي التي تكفلها مدونة التأمينات التي لا تميز بين مستهلك أو غير مستهلك أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- J.C. Auloy, op. cit, p.5

2ـ المادة 1 من مقترح القانون المغربي المتعلق بإخبار وحماية المستهلك.

بين المهني وغير المهني، فالتشريع يحمي المؤمن له بصرف النظر عن كونه مهنيا أو مستهلكا[1].

        3ـ عقد التأمين من عقود حسن النية

        إذا كان مبدأ حسن النية يعتبر من المبادئ العامة التي تسري على جميع العقود طبقا للفصل 231 من ظ.ل.ع الذي جاء فيه أنه يجب تنفيذ العقد بحسن نية، غير أنه تبعا لخصوصية عقد التأمين فإن حسن النية يلعب دورا في انعقاده وتنفيذه أكبر من الدور الذي يقوم به في أي عقد آخر[2].

فمنذ اللحظة الأولى لإبرام العقد يرتكز المؤمن في قبوله على صحة البيانات التي يدلي بها المؤمن له عن ماهية الخطر والظروف المحيطة به، لذلك يتوجب عليه أن يتحرى جانب حسن النية بما تفرضه من مقومات الصدق والنزاهة عند الإدلاء بتلك البيانات[3].

        وعند تنفيذ عقد التأمين يجب على المؤمن له الامتناع عن كل ما من شأنه زيادة الخطر.

ويقع عليه أيضا التزام بإخطار المؤمن بكل ظرف يؤدي حدوثه إلى زيادة درجة احتمالات وقوع الخطر أو زيادة درجة جسامته كما يجب عليه أيضا أن يعمل على الحد من آثار الخطر إن تحقق.

        ووجوب حسن النية عند انعقاد العقد وفي تنفيذه[1] هو الذي يفسر بطلانه إذا أدلى المؤمن له ببيانات كاذبة  عن الخطر المؤمن ضده، كما أن مبدأ حسن النية هو الذي يبرر سقـوط حق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ وإذا كان هذا هو حال الوضع في قانوني التأمين المغربي والفرنسي، فإنه سرعان ما تراجع هذا الأخـير عن ذلك

نسبيا في قانون رقم 67ـ2005 الصادر بتاريخ 28 يناير 2005 والمتعلق بتعزيز ثقة وحماية المستهلك والذي أضفى حماية على المستهلك المؤمن له فقط، الذي يتعاقد خارج نشاطه المهني في إطار تبسيط مسطرة فسخ العقود المجددة ضمنيا [ف.2 من هذا القانون الذي أضيف للفصل L 113-15-1 من ق.ت.ف.].

"المقرر في قضاء هـذه المحكمة أن عقد التأمين من العقود التي مبناها حسن النية وصدق الإقرارات التي يوقـع

عليها المؤمن والغش فيها أو إخفاء حقيقة الأمر يجعل التأمين باطلا. طعن مصري رقم 2508 سنة 56 ق جلسة 26/5/1991 س 42 ص1205. أشار إليه سعيد أحمد شعلة، قضاء النقض في التأمين، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997 ص288.

فالمؤمن له ملزم بإحاطة المؤمن عند التأمين بجميع البيانات اللازمة لتمكينه من تقدير الخطر المؤمن منه وجسامته،

وقد يكون ذلك بالإجابة على أسئلة محددة في طلب التأمين حيث يسأل المؤمن له عن حقيقة ما يدلي به من بيانات، فإذا كان البيان قد جهله المؤمن محل سؤال محدد ومكتوب فإنه يعتبر جوهريا في نظره ولازما لتقدير الخطر المؤمن منه وعليه أن يبلغ المؤمن بما يطرأ أثناء العقد من ظروف من شأنها أن تؤدي إلى زيادة هذه المخاطر ويترتب عنه الإخلال بهذا الالتزام أن يقع عقد التأمين باطلا. طعن مصري رقم 1173 سنة 47 ق جلسة 25/5/1981 س32 ص1083 مذكور في المرجع السابق ص259.

4ـ للمزيد من التعمق حول حدود حسن النية في عقد التأمين، يراجع:

            - Odette Jobin-Laberge, Les limites de la bonne foie dans les contrats : l’assurance, un

                                 cas particulier, Assurances, V68, n°4, Janvier 2001, p.493.

المؤمن له في التأمين إذا قام بعمل أو امتنع عن عمل أو كان في ذلك العمل أو الامتناع ما يتعارض مع مقتضيات حسن النية.

        لكن الالتزام بقاعدة حسن النية[1] لا يقع فقط على عاتق المؤمن له وإنما يستهدف أيضا جعل المؤمن يتعاقد مع الطرف الآخر وفقا لهذه القاعدة بحيث يمنع عليه إخفاء بيانات أو معلومات من شأنها إيقاع الطرف الضعيف في العقد في غلط أو تدليس، لذلك يعد الالتزام بالإخبار كآلية قانونية وقائية لحماية الرضا من عيوب الإرادة.

        كما يفرض هذا الالتزام أداء المؤمن لمبلغ التأمين للمؤمن له حالة تحقق الخطر المؤمن منه، وقد سن كلا من المشرع والقضاء جزاءات صارمة لكل خرق لهذا المبدأ الذي يتسع ليشمل كل مراحل العقد.

الصفة المدنية أو التجارية لعقد التأمين

يكتسب عقد التأمين الصفة المدنية أو التجارية أو المختلطة بحسب صفة أطرافه.

  أـ من جانب المؤمن: لكي يتم اعتماد مقاولات التأمين أو إعادة التأمين يجب أن تكون مؤسسة على شكل شركة مساهمة أو شركة تعاضدية للتأمين [م.168 من م.ت]. وتختلف طبيعة عقد التأمين بحسب ما إذا كان المؤمن يتخذ شكل شركة مساهمة أو شركة تعاضدية للتأمين.

ـ المؤمن شركة مساهمة: حسب المادة الأولى من قانون 95.17 المتعلق بشركات المساهمة فإن شركة المساهمة تعتبر شركة تجارية بحسب الشكل أيا كان موضوعها.

ومن تم تكتسب مقاولة التأمين التي تتخذ شكل شركة مساهمة الصفة التجارية انطلاقا من شكلها، فضلا عن ذلك فإن موضوعها الذي هو التأمين بأقساط ثابتة يمنحها أيضا هذه الصفة ما دام أنها تباشر أعمالها بقصد تحقيق الربح.

  ـ المؤمن شركة تعاضدية للتأمين

الشركات التعاضدية للتأمين لا تستهدف الربح [م.173 م.ت] كما أنها لا تقوم بالتأمين عن طريق أقساط ثابتة [م. 6 فقرة 8 من مدونة التجارة] مما يجعلها تكسب الصفة المدنية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1- Sjamet Legas, De l’utilité de la bonne foie, une analyse économique de la bonne foie dans et pour

                          l’exécution des contrats, Université de Lille II, publié au site Internet www.rajf.org.

  ب ـ من جانب المؤمن له

إذا كان المؤمن له، بصرف النظر عن كونه تاجرا أو غير تاجر، قد أبرم التأمين لحاجاته الشخصية أو العائلية فإن العقد يكتسب إزاءه الصفة المدنية، أما إذا أبرمه لحاجات تجارية فإن العقد يكتسب إزاءه الصفة التجارية[1].

ويكون عقد التأمين مختلطا إذا كان أحد أطراف العلاقة التعاقدية تاجرا ويكون الطرف الآخر غير تاجر.

ولتحديد الصفة المدنية أو التجارية أو المختلطة لعقد التأمين أهمية خاصة في تحديد القانون المطبق من جهة وتحديد الاختصاص القضائي من جهة أخرى للمنازعات الناشئة عنه.

والقاعدة العامة والتي تقررها المادة 4 من المدونة التجارية الجديدة أنه إذا كان العمل تجاريا بالنسبة لأحد المتعاقدين ومدنيا بالنسبة للمتعاقد الآخر طبقت قواعد القانون التجاري في مواجهة الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه تجاريا.

أما بالنسبة للمحكمة المختصة فإنه وطبقا للمادة 5 من قانون رقم 53.95 فإن المحكمة التجارية هي المختصة بالنظر في الدعاوى التي تنشـأ بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية.

لكن بالنسبة للدعاوى المختلطة فإن القاعدة المقررة فقها وقضاء أن الاختصاص يكون بحسب صفة المدعى عليه في الدعوى، فإذا كان هذا الأخير مدنيا فإنه لا يجوز مقاضاته إلا أمام قاضيه الطبيعي أي المحكمة المدنية، وإذا كان تاجرا فإن للطرف المدني الخيار بين مقاضاته أمام المحكمة المدنية أو التجارية[2]، ذلك أنه في العقد المختلط لا ينعقد الاختصاص للمحكمة التجارية إلا عند وجود اتفاق بين الطرفين[3].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ وهكذا جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بالبيضاء صادر بتاريخ 22/7/99: «حيث إنه إذا كان  إبرام عقد

التأمين مع المستأنف عليها يشكل في حد ذاته عملا مدنيا إلا أنه نظرا لصدوره عن التاجر على اعتبار أن المستأنفين يمارسون تجارة مواد البناء وارتباطه بهذا العمل التجاري، فإنه يكتسب الصفة التجارية بالتبعية تطبيقا لقاعدة أن الفرع يتبع الأصل». قرار رقم 1100/99، ملف عدد 1182/99/9، منشور على موقع وزارة العدل على الأنترنيت: www.justice.gov.ma

2ـ وهكذا جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية  بالبيضاء صادر بتاريخ 3/11/2000: «إن المستقر عليه فقها      وقضاء هو إعطاء الخيار للمدعي [المدني] في إقامة دعواه أمام المحكمة المدنية باعتبارها محكمته، أوأمام      المحكمة التجارية باعتبارها محكمة المدعى عليه». قرار رقم 2280/2000 ملف رقم 2307/2000/13، غير منشور.

انظر في نفس الاتجاه، قرار صادر عن نفس المحكمة رقم 336 صادر بتاريخ 10/2/2000، ملف عدد 178/2000/13 (غير منشور)، وقد أكد المجلس الأعلى هذا الاتجاه بموجب قراره الصادر بتاريخ 19/3/2003، قضاء المجلس الأعلى، عدد 62، ص145.

3ـ قرار محكمة الاستئناف التجارية بالبيضاء صادر بتاريخ 19/8/99، ملف عدد 1515/99/13، غير منشور.

    ـ ثالثا:  خصائص الحماية

لم يكن الهدف من عرض خصائص الحماية القانونية للطرف الضعيف في عقد التأمين استباق الأمور أو عرض خلاصات للموضوع، وإنما فقط إبراز بعض الملامح الأساسية التي نرى التمهيد لها كمدخل ضروري لفهم الموضوع لتعلقها بكليات يستحسن بحثها ضمن هذا التقديم.

وسنتناول ضمن خصائص الحماية، التنظيم التشريعي الآمر لعقد التأمين وأثره، حماية المؤمن له من خلال قانون المنافسة، تعدد أشكال الحماية المؤسساتية الإدارية، وأخيرا الحماية القضائية.

1ـ التنظيم التشريعي للعقد

        نظرا للانتقادات الموجهة لمبدأ سلطان الإرادة وأثره في تقوية ظاهرة اختلال التوازن العقدي بين طرفي عقد التأمين توالت التدخلات التشريعية للحد من غلواء حرية الطرف القوي في صياغة بنود العقد وشروطه.

وهكذا برز الاتجاه الحديث الذي سلكه المشرع في بعض العقود الخاصة كعقد التأمين والذي يستهدف تنظيم العقود ومحتوياتها تنظيما قانونيا مباشرا على مستوى مضمون التزامات و حقوق أطراف العقد على نحو لا يترك معه للأطراف المتعاقدة خيارا كبيرا في تحديد شروطها وآثارها.

        فالمشرع سواء في قرار 28 نونبر 1934 المتعلق بعقد التأمين البري المنسوخ[1] أو في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ويمكن تحديد ملامح حماية المؤمن له في ظل القرار الوزاري الصادر بتاريخ 28 نونبر 1934 المتعلق بعقد التأمين

     البري في:

         ـ اعتبار القواعد الحمائية في قانون التأمين قواعد آمرة لا يمكن مخالفتها،

         ـ تحديد الحد الأقصى لمدة عقد التأمين وتجديده،

         ـ كتابة وثيقة التأمين بحروف واضحة،

         ـ كتابة مدة عقد التأمين بحروف جد بارزة،

         ـ تحديد بيانات وشكل عقد التأمين،

         ـ تحديد التزامات الضامن والمضمون،

         ـ تحديد شروط وشكليات فسخ العقد،

         ـ منع تخفيض آجال التصريح بالفسخ أو إعفاء الضامن نفسه من توجيه الإنذار/

         ـ عدم جواز تخفيض مدة التقادم،

         ـ تحديد الشروط التعسفية التي لا يجوز إيرادها في عقد التأمين،

         ـ عدم صحة الشروط الناصة على البطلان أو سقوط الحق إلا إذا تم بيانها بأحرف جد بارزة،

         ـ عدم صحة الشروط المتعلقة بسقوط الحق أو عدم التأمين الواردة في غير الشروط  الخصوصية.

مدونة التأمينات الجديدة[1] نظم بيانات وشروط عقد التأمين  واستلزم أن تكون مكتوبة بحروف واضحة ونظم أحوال السقوط أو البطلان أو انعدام التأمين وتعرض لانتهاء عقد التأمين بتنظيمه لمدة العقد ولتمديده وحالات وشروط وشكليات فسخه وتقادمه.

        ويعتبر التنظيم المسبق والدقيق والمحكم لشروط انعقاد عقد التأمين وتنفيذه وانقضائه كآلية وتقنية تشريعية وقائية وعلاجية مهمة وفعالة لحماية رضا الطرف الضعيف في العقد. وكذا حماية مصالحه الاقتصادية من العملية التعاقدية تحقيقا للتوازن العقدي بين طرفي عقد التأمين.

        ويمتاز التدخل التشريعي بعدة محاسن أبرزها أنه دائم ومتطور ومتجدد نحو توطيد معالم حماية الطرف الضعيف في عقد التأمين بقصد إحداث دينامية في النسيج الاقتصادي والاجتماعي لاقتصاد التأمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ويظهر تطور نظام الحماية في ظل قانون 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات من خلال الحفاظ على المكتسبات

     التشريعية الواردة في قرار 28 نونبر 1934 وتدعيمها بالقواعد التالية:

         ـ تحديد المدة القصوى لعقد التأمين في غير التأمين على الحياة بسنة واحدة عوض عشر سنوات في غير التأمين على

             المسؤولية، ومدة سنتين في التأمين عن المسؤولية،

         ـ استحـداث الالتزام بالإخبار الأول مرة في عقد التأمين عن طريق إلزام المؤمن بتسليم المؤمن له قبل اكتتاب العقد

              بيانا للمعلومات يبين على الخصوص الضمانات والاستثناءات المتعلقة بها وسعر هذه الضمانات والتزامات المؤمن

              له؛

         ـ الاعتراف بحق الرجوع عن العقد لأول مرة في التشريع المغربي وذلك بمنح المؤمن له في التـأمين على الحياة حق

             الرجوع عن العقد داخل أجل لا يقل عن 15 يوما ابتداء من تاريخ اكتتاب العقد،

         ـ توسيع بيانات عقد التأمين،

ـ بطلان كل شرط تحكيم لم يوافق عليه المؤمن له صراحة عند اكتتاب العقد،

         ـ بطلان كل شرط من شأنه أن يمنع المؤمن له أو من يحل محله من مقاضاة المؤمن أو مطالبته بالضمان بمناسبة

             تسوية الحوادث،

         ـ النص صراحة على أن فسخ العقد يخول للمؤمن له، استرجاع جـزء القسط أو الاشتراك المتعلق بالفترة التي لم يعد

              ضمان الخطر فيها ساريا،

ـ إقـرار مبدأ التضامن في تسديد التعويضات عن الحادث في حالة تعدد المؤمنين الملتزمين بواسطة عقـد واحد في

    مواجهة المؤمن له،

ـ إحداث إطار قانوني ينظم التضامن بالنسبة للأخطار ذات مجموعات من المؤمن لهم [التأمينات الاجتماعية]،

ـ تكييف العقد مع الوسائل الحديثة للسوق المالي،

ـ إقرار  إجبارية التأمين بالنسبة للتأمين على القنص،

ـ تحديث الشكل القانوني لمقاولات التأمين وإعادة التأمين،

         ـ تدعيم مراقبة الدولة على مقاولات التأمين وإعادة التأمين،

         ـ إخضاع مقاولات التأمين وإعادة التأمين إلى المراقبة التعاقدية على غرار ما هو معلوم به دوليا بحيث تلزم شركات

             التأمين وإعادة التأمين بضرورة التوفر على هامش الملاءة الشيء الذي يمكنها من إعادة تكويـن اعتماداتها الذاتية

             تبعا لنسبة الأقساط والحوادث والأرصدة التقنية؛

ـ تحديث أجهزة تقديم عمليات التأمين،

         ـ إقرار عقوبات إدارية وجنائية رادعة يمكن أن تطال مقاولات التأمين وإعادة التأمين ومسيريها في حالة مخالفة القانون،

         ـ إحداث لجنة استشارية للتأمينات تعطي رأيها حول كل الأسئلة المتعلقة بعمليات التأمين.

كما أن تدخلاته غالبا ما تنال رضى أطراف العملية التأمينية لأنها تتم عبر التشاور بين الفرقاء وتتميز أيضا بطابعها الإلزامي والحاسم لمعظم الإشكاليات المطروحة مما يساعد في تقبلها وتفعيلها على المستوى العلمي.

        لكن أبرز عيوب التدخل التشريعي أنه يتسم بالبطء نتيجة لتعقد وطول المسطرة التشريعية، كما أن غياب أو ضعف التمثيلية المهتمة بمصالح جمهور المستهلكين قد تقلل من فعالية وحجم الإصلاحات التشريعية في هذا الميدان الذي يكتسي حساسية كبرى بحكم تداخل الاقتصادي والاجتماعي فيه، خاصة أمام هيمنة تمثيلية المهنيين في المؤسسة التشريعية.

الصفة الآمرة للتنظيم أو مفهوم النظام العام[1]

نصت المادة 3 من مدونة التأمينات على أنه "لا يمكن تغيير مقتضيات هذا الكتاب بموجب اتفاق باستثناء تلك التي تمنح للأطراف حرية التعاقد والواردة في المواد...".

فضعف المركز القانوني للطرف الضعيف في عقد التأمين على مستوى المقدرة التـفاوضية حول شروط العقد مرده أساسا سيطرة العقود النموذجية لمـا تحتويه من بيانـات وشروط تعسفية ترهق كاهله وتعفي في المقابل المؤمن من أهم التزاماته مما أثر على التوازن الاقتصادي للعقد لمصلحة الطرف القوي الذي استغل مبدأ الحرية التعاقدية لاستغلال الجانب الضعيف في العقد.

ومما كان يزيد الطين بلة أن أغلب النصوص المنظمة لعقد التأمين كانت مجرد قواعد مكملة يمكن للأطراف الاتفاق على مخالفتها، الشيء الذي جعل مقاولات التأمين تتهرب من أحكام نصوص التأمين وتسن لنفسها قانونا خاصا على مقاسها يضمن في العقود النموذجية التي تعرضها على جمهور المستهلكين، ولم يكن لهذه الفئة غير الخضوع لها لعدم وجود مقتضيات حمائية قانونية تؤطر وتضبط هذه البنود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ولقد عرف القضاء المغربي النظام العام بأنه «مجموعة من القواعد القانونية التي يقصد بها تحقيق مصلحة عامـة

سياسية أو اجتماعية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى، وتعلو على مصلحة الأفراد، فيجب على جميع الأفراد مراعاة هذه المصلحة وتحقيقها، ولا يجوز لهم أن يخالفوها باتفاقات فيما بينهم حتى ولو حققت لهم هذه الاتفاقات مصالح فردية، فإن المصالح الفردية لا تقوم أمام المصلحة العامة». حكم عدد 155، صادر عن المحكمة الابتدائية بالبيضاء بتاريخ 19/2/79. مذكور عند: بوشتى زياني، الحماية القضائية من الشروط التعسفية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الأعمال، كلية الحقوق، وجدة، 99/2000، ص27.

    ـ للمزيد من التعمق حول مفهوم النظام العام وأثره، يراجع:

            - Eudier Frédérique, Ordre publique substantiel et office du juge, Thèse doct., dir. P. Courbe,

Rouen, 1994, publiée au site Internet : www.panjuris.univ-paris1.fr.

ونتيجة لهذا الوضع المخالف لمبادئ العدالة وحسن النية بادر المشرع إلى منح الصفة الآمرة للتنظيم القانوني لعقد التأمين استثناءا من مبدأ الحرية التعاقدية بحيث يعتبر كل اتفاق يغير مقتضيات هذا التنظيم باطلا وكأن لم يكن.

والنتيجة أن العقد أصبح يستمد إلزاميته من إرادة المشرع لا من إرادة الأطراف، ويتفرع عن هذه النتيجة أن الخواص إذا كانوا يسعون إلى تحقيق الأهداف الشخصية ويتمسكون بالحرية التعاقدية فإن المتطلبات الاجتماعية تدعو إلى تدخل الدولة لتشذيب ما علق بالمجال التعاقدي من تعسف وشطط[1].

في ظل غياب الإرادة الواعية والصحيحة للطرف الأقل قدرة أو خبرة ثبت واقعا وقانونا أن الإرادة غير الحرة الواعية لا تستطيع إنشاء عقد صحيح.

        فالنصوص الآمرة هي بمثابة تعبير عن ترجيح المصلحة العامة على الإرادات الفردية، ومن هنا أدى التدخل التشريعي في عقد التأمين إلى بروز شكل جديد من أشكال العقد المنظمة Les contrats réglementés أو العقود الجبريةLes contrats forcés يتجاوز تنظيم بعض بنود العقد إلى محتوى العقد بإجماله، فهي لم تعد منحصرة في فرض التعاقد [إجبارية التأمين في بعض المجالات المحددة] أو المتعاقد وإنما تجاوزت ذلك إلى فرض أساس العقد ومضمونه.

        فالعلاقة القانونية تنشأ مباشرة من القانون أو بصفة غير مباشرة من القضاء، فالنظام التعاقدي أصبح لا يطبق إلا قياسا، فمن التهديد القانوني في تكوين العلاقة التعاقدية إلى استثناء العلاقة التعاقدية من مصدر قانوني[2].

        فالنظام العام الحمائي أو التوجيهي أصبح هو المرتكز التشريعي في جميع أنواع عقود الاستهلاك بما فيها عقود التأمين.

        لكن ما هي حدود النظام العام في عقد التأمين ؟

        يمكن استجلاء مفهوم النظام العام أو حدوده من خلال بحث مدى إمكانية المحكمة إثارة خرق قواعده وكذا من خلال كون هذا الخرق قد تم لمصلحة المؤمن له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ العربي مياد، مرجع سابق، ص108.

1ـ سامي بديع منصور، عنصر الثبات وعامل التغير في العقد المدني في القانونيين اللبناني والفرنسي والمقارن.

تقديم الدكتور عاطف النقيب. دار الفكر اللبناني. 1987، ص112 وما بعدها.

        أ ـ سلطة المحكمة في الإثارة التلقائية لخرق نصوص التأمين

        إن تعلق بعض القواعد القانونية بالنظام العام المطلق يقتضي بداهة وجوب إثارة خرقها، لكون القاعدة تكتسي صبغة آمرة سواء بالنسبة للمتعاقدين أو بالنسبة للقاضي.

ويعتبر عدم إثارتها من طرف محكمة الموضوع كسبب يمكن اعتماده للطعن بالنقض على اعتبار أن الأمر يتعلق بمسألة قانونية.

وإذا كانت الصبغة الآمرة لمقتضيات قانون التأمين كأصل عام بالنسبة للمتعاقدين لا جدال فيها، فإن النقاش سيتمحور أساسا في علاقة الصبغة الآمرة بالقاضي أو المحكمة.

فهل يجوز للقاضي أن يثير تلقائيا بطلان الاتفاقات المخالفة للقواعد الآمرة المرتبطة بالنظام العام؟

        جوابا على هذه الإشكالية جاء في قرار لمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ15/02/2000 أن خرق النصوص المشار إليها وإن تعلق بالنظام العام لا يمكن إثارتها إلا من طرف الشخص موضوع الحماية[1] بحيث لا يمكن للقاضي أن يثير عدم مشروعية هذه الاتفاقيات من تلقاء نفسه التزاما منه بمبدأ الحياد طالما أن عدم الإثارة يفيد تنازله عن الحماية.

        لكن محكمة العدل للمجموعة الأوربية وعن حق ذهبت في اتجاه مخالف في قرارها الصادر بتاريخ 27/6/2000 معتبرة أنه يحق للقاضي إثارة بطلان الشروط التعسفية من تلقاء نفسه و"لو لم يطلب الأطراف ذلك صراحة ".

        وهذا الاتجاه من شأنه دعم وتقوية حماية الطرف الضعيف في عقد التأمين عن طريق ضمان فعالية تطبيق المقتضيات الحمائية، لأن التدخل القضائي لا غنى عنه لضمان حماية المستهلك[2].

        وتظهر أهمية وجدوى هذه الحماية القضائية إذا علمنا أن أغلب المستهلكين يجهلون بعض هذه المقتضيات مما يفوت عليهم الحماية التي كان المشرع يرغب في تفعيلها والتي هي أساس التدخل التشريعي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Cité par Christiane Masquefa, Pouvoir du juge et protection du consommateur : Précisions

en clair – obscure . JCP n°2, année 2001, p.24.

2- Christine Masquefa, op. cit, p.23.

        والقول بخلاف ذلك يعني تقويض الحماية والالتفاف على النص التشريعي ومناصرة التعسف وحرمان القاضي من الحق الطبيعي في إحقاق العدالة التي لا تختلف باختلاف الأهلية القانونية [العلم بالقانون أو تحريك القانون] للأطراف.

       

والملاحظ أن منح القاضي سلطة التدخل من تلقاء نفسه يجعل منه معاونا للطرف الضعيف، لكنه إذا كانت مبادئ العدل والإنصاف تسعى إلى إزالة التعسف وتحقيق التوازن الاقتصادي في العقد، فإن نفس المبادئ تستلزم أن يكون هذا التدخل إجباريا متعلقا بالنظام العام في مفهومه المطلق[1].

فالتدخل القضائي الحر [أي غير المرتبط بإثارة الأطراف] يمكن أن يساهم أيضا في تقوية الإرادة الواعية الصحيحة للطرف الأقل قدرة أو كفاءة عن طريق سد خلل عدم العلم أو عدم العلم الكافي بالقانون.

ب ـ مخالفة القواعد الآمرة لمصلحة المؤمن له

هذه القاعدة وإن لم تكن مكرسة تشريعا في مدونة التأمينات[2]، فإن اعتبار النصوص القانونية المتعلقة بالتأمين بمثابة الحد الأدنى للحماية يجعل هاته القواعد العامة تطبق بدون الحاجة إلى وجود نص خاص يقررها.

فالنصوص التي تنظم عقد التأمين تهدف في مجملها إلى حماية المؤمن له بنصوص لا يجوز مخالفتها، إلا أن يكون ذلك لمصلحة المؤمن له، أما إذا اتفق على مخالفتها لمصلحة المؤمن فإن الاتفاق يكون باطلا[3].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ والملاحظ، على حد علمنا، أنه لم يصدر أي قرار أو حكم عن المحاكم المغربية في ميدان التأمين يضفي على

قواعده الصفة الآمرة المطلقة، لكنه في بعض الفروع القانونية الأخرى كقانون الشغل، فقد أقر المجلس الأعلى في قراراه الصادر بتاريخ 12/1/2005 الصفة الآمرة المطلقة لقانون الشغل بحيث لا يمكن للطرف الضعيف الأجير التنازل عن بعض مقتضياته باعتباره قانون الحد الأدنى. قرار رقم 45، ملف اجتماعي عدد 975/5/1/2004، غير منشور.

   وهذا ما ينسجم أيضا مع ما نص عليه قانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل [راجع الديباجة والمادة الثالثة منه].

2ـ وفي المقابل نصت المادة 753 من التقنين المدني المصري على أنه يقع باطلا كل اتفاق يخالف أحكام النصوص

     الواردة في هذا الفصل أي أن يكون ذلك لمصلحة المؤمن له أو لمصلحة المستفيد.

3ـ في نفـس المعنى، انظر المذكرة الإيضاحية للقانون المدني المصري، مشار إليها عند عبد الرزاق السنهـوري،

     مرجع سابق، ص1163.

3ـ حماية المستهلك من خلال قانون المنافسة

نظم المشرع المغربي قواعد المنافسة التجارية بالقانون رقم 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، ويهدف هذا القانون كما تنص على ذلك ديباجته إلى تحديد الأحكام المطبقة على حرية الأسعار وإلى تنظيم المنافسة الحرة[1]، وتحدد فيه قواعد حماية المنافسة قصد تنشيط الفاعلية الاقتصادية وتحسين رفاهية المستهلكين، ويهدف كذلك إلى ضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية.

فقواعد المنافسة تستهدف إما بشكل مباشر أو غير مباشر حماية المستهلك بصفة أولية أو نهائية، ذلك أن أسعار السلع والمنتوجات والخدمات تحدد عن طريق المنافسة الحرة أي قانون العرض والطلب[2].

إلا أن معالجة حماية المستهلك ضمن قوانين المنافسة لم تلق استحسان بعض الفقهاء ومنهم جاك أزيما Jacques Azéma الذي نبه إلى خطورة إقحام حماية المستهلك ضمن أولويات قانون المنافسة لأن ذلك سيؤدي إلى تشويه أهداف قانون المنافسة كما يعتبر ذلك خلطا يقع فيه المشرع وأيضا القضاء[3].

4ـ تعدد أشكال الحماية المؤسساتية الإدارية

تتعدد أشكال الحماية المؤسساتية الإدارية التي وفرها المشرع لحماية مستهلكي خدمات التأمين، ويمكن إجمالها فيما يلي:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ للتعمق حول تأثير قانون المنافسة على قانون الالتزامات والعقود المغربي، يراجع: مفيد الفارسي، تأثير قانون

      المنافسة على قانون الالتزامات والعقود، المجلة المغربية للاقتصاد والقانون، ع7، 2003 ص67.

         وفي القانون الفرنسي يراجع:

- Bertrand Fages, Jacques Mestre, L’emprise du droit de la concurrence sur le contrat, RTD.com. janvier-mars 1998, p.71.

2- Marie Stéphane Payet, droit de la concurrence et droit de la consommation, Thèse pour le

      Doctorat en droit présentée et soutenue publiquement le 11 janvier 2000, Dalloz, 2001, p.31et 77.

      - J. Hemard, Droit de la concurrence et protection des consommateurs. Gaz. Pal 1971,2 Doctrine

p.575.

راجع أيضا عبد الرحمن الملحم، التقييد الأفقي للمنافسة مع التركيز على اتفاق تحديد الأسعار. دراسة مقارنة،

      مجلة الحقوق الكويتية. السنة التاسعة عشرة، العدد الرابع، سبتمبر 1995، ص26.

ـ فؤاد معلال، ضوابط المنافسة وفق أحكام القانون التجاري المغربي الجديد، مجلة القانون والاقتصاد، ع19،

        2002، ص88.

3- Jacques Azéma, Droit des consommateurs, sécurité, concurrence, publicité en droit français et

        communautaires, actes d’un Colloque organisé le 16/17/18 avril 1996, Editions : Story scientia.

أـ دور الوزارة الوصية على قطاع التأمين

تعتبر الوزارة المكلفة بالمالية هي الوزارة الوصية على قطاع التأمين باعتبارها الجهة المكلفة بمنح الاعتماد لمقاولات التأمين وإعادة التأمين وكذا إجراء المراقبة اللازمة فيما يخص ممارسة نشاطها [المادتين 161 و242 من مدونة التأمينات].

وتمارس الرقابة المذكورة من طرف الإدارة لمصلحة المؤمن لهم والمكتتبين والمستفيدين من العقود، ويدخل في اختصاص الإدارة إصدار شروط نموذجية عامة في بعض فروع التأمين.

      وتمثل هذه الشروط الحد الأدنى للحماية الذي لا يجوز النزول عنها أو الاتفاق على خلافها، ويمكن للإدارة أن تلزم المؤمنين بتغيير أو سحب بعض الشروط الواردة في نماذج عقود التأمين التي ستصدرها مقاولات التأمين لأول مرة كلما تبين أنها تعسفية وذلك لأجل حماية رضا مستهلكي خدمات التأمين عن طريق تخليق وثائق التأمين ومحاربة الشروط التعسفية.

إن مجال المراقبة التي تمارسها الدولة على مقاولات التأمين وإعادة التأمين أصبح أكثر دقة في مدونة التأمينات وذلك بإدخال أربع تجديدات:

ـ التعريف بدقة وطبيعة الأنشطة التي يمكن ممارستها من قبل مقاولات التأمين.

ـ تمديد مراقبة الدولة على الشركات المتخصصة في إعادة التأمين غير الخاضعة سابقا لهذه المراقبة نظرا لوجود مقاولة واحدة [الشركة المركزية للتأمين] والخاضعة لقانون خاص.

ـ توسيع نطاق هذه المراقبة على الوكالات والفروع والمؤسسات الأخرى التي قد تبرم معها مقاولات التأمين اتفاقات تتعلق بالتسيير أو إعادة التأمين أو أي ارتباط آخر من شأنه أن يحد من استقلالية المقاولة أو تسييرها.

ـ إخضاع مقاولات التأمين وإعادة التأمين إلى المراقبة التعاقدية، بحيث تُلزم شركات التأمين وإعادة التأمين  بضرورة التوفر على هامش الملاءة يمكنها من إعادة تكوين اعتماداتها الذاتية تبعا لنسبة الأقساط والحوادث والأرصدة التقنية مع خلق إطار ملائم يمكن بواسطته مواجهة كل اختلال في التوازنات المالية لمقاولات التأمين وإعادة التأمين[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الأعمال التحضيرية للقانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات [عرض السيد وزير المالية حول مشروع القانون

    السالف الذكر]، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة "نصوص ووثائق"، العدد 74، 2003.

   ـ ولقد كان الهدف من تفعيل الرقابة المالية على مقاولات التأمين محاولة تفادي الآثار السلبية المترتبة على تصفية بعض شركات التأمين مما أضر بحقوق المؤمن لهم والأغيار، راجع في ذلك، محمد الصباري، تصفية شركات التأمين، أعمال الندوة العلمية التي نظمتها كلية الحقوق بمراكش وهيئة المحامين بها، أيام 19و20/12/97 في موضوع ضحايا حوادث السير، أية حماية؟ سلسلة الندوات والأيام الدراسية، منشورات كلية الحقوق بمراكش، عدد 10،  ص181.

ب ـ دور اللجنة الاستشارية للتأمينات

أحدثت هذه اللجنة بموجب القانون رقم 17.99، وقد نصت المادة 285 منه على أنه "تحدث لجنة استشارية للتأمينات يعهد إليها بإبداء الرأي في كل الشؤون المتعلقة بعمليات التأمين وإعادة التأمين".

كما تقوم الإدارة باستشارتها حول كل مشاريع القوانين أو النصوص التنظيمية المتعلقة بشروط ممارسة عمليات التأمين وتدبيرها وتسويقها.

ويمكن لهذه اللجنة أن تلعب دورا مهما كهيئة استشارية مهنية، تحت رئاسة الوزير المكلف بالمالية، في مساعدة الإدارة في أداء دورها المتعلق بمحاربة الشروط التعسفية إما من خلال اقتراح إلغاء هذه الشروط أو تعديلها أو تنظيم نماذج عقود التأمين وكذا اقتراح التعديلات التشريعية والتنظيمية لضمان حماية فعالة للطرف الضعيف في عقد التأمين.

ج ـ دور المجلس الأعلى للاتصال السمعي والبصري

يعتبر المجلس الأعلى للاتصال السمعي والبصري هيئة إدارية مستقلة أحدثت بموجب الظهير الشريف الصادر بتاريخ 31/08/2002 بجانب الملك ينهض بمهمة السهر على تقيد أجهزة الاتصال السمعي والبصري بالنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في ميدان الاستهلاك.

ويقوم المجلس كجهاز بضبط وتنظيم الحقل السمعي البصري لحماية رضاء المستهلكين، ومن بينهم المؤمن لهم، من الإشهار الكاذب والمضلل والمقارن بضمان صدور إخبار صادق وموضوعي بحقيقة السلعة أو الخدمة موضوع الإشهار.

د ـ  دور مجلس المنافسة

يقوم مجلس المنافسة[1] بصفته جهاز ضبط إداري régulation) (organe de استشاري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ تـم إحداث مجلس المنافسة في التشريع المغربي بمقتضى قانون 06.99 ويكون له طابع استـشاري لأجل إبـداء

     الآراء أو تقديم الاستشارات أو التوصيات [م14].

         ومن المهم الإشارة إلى أن المجلس الدستوري الفرنسي في قراره الصادر بتاريخ 24/1/87  قد حسم في

طبيعته القانونية باعتباره جهازا إداريا ذو طبيعة غير قضائية، انظر:

- Marie-Chantal Boutard Labarde, Guy Canivet, Droit français de la concurrence, LGDJ 1994, p.171.

بمراقبة الممارسات المنافية للمنافسة[1].

ويمكن أن تشمل تدابير المراقبة وقف الممارسة المعنية وكذا إصدار أمر للأطراف بالرجوع إلى الوضعية السابقة إذا كانت هذه الممارسات تلحق مساسا خطيرا وفوريا باقتصاد البلاد أو اقتصاد القطاع المعني بالأمر أو بمصلحة المستهلكين أو المنشآت المتضررة [المادة 32 من قانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة].

ويستشار مجلس المنافسة من لدن:

1ـ اللجان الدائمة للبرلمان في مقترحات قوانين تتعلق بمسألة المنافسة،

2ـ الحكومة في كل مسألة تتعلق بالمنافسة،

3ـ مجالس الجهات، والمجموعات الحضرية، وغرف التجارة والصناعة والخدمات وغرف الفلاحة والصناعة التقليدية وغرف الصيد البحري، والمنظمات النقابية والمهنية أو جمعيات المستهلكين المعلن أنها ذات منفعة عامة في كل مسألة تتعلق بالمنافسة وذلك في حدود المصالح المنوطة بها[2]؛

المحاكم المختصة فـي الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المحددة في المادتين 6 و7 أعلاه المشار في القضايا المعروضة عليها.

ويمكن أن يلعب مجلس المنافسة دورا رياديا في حماية مستهلكي خدمات التأمين إما بصفة مباشرة من خلال محاربة عرقلة تكوين الأسعار عن طريق الآليات الحرة للسوق بافتعال ارتفاعها أو بصفة غير مباشرة من خلال محاربة عرقلة المنافسة بوجه عام أو الحد منها أو تحريف سيرها في سوق ما لضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ وتتمثل هذه الممارسات في: ـ الأعمال المدبرة أو الاتفاقات أو التحالفات الصريحة أو الضمنية كيفما كان شكلها

    وأيـا كان سببها عندما يكون الغرض منها أو يمكن أن تترتب عنها عرقلة المنافسة أو الحد منها أو تحريف سيرها

     في سوق ما ولا سيما عندما تهدف إلى:   

1ـ الحد من دخول السوق أو من الممارسة الحرة للمنافسة من لدن منشآت أخرى

2ـ عرقلة تكوين الأسعار عن طريق الآليات الحرة للسوق بافتعال ارتفاعها أو انخفاضها

3ـ حصر أو مراقبة الإنتاج أو المنافذ أو الاستثمارات أو التقدم التقني

4ـ تقسيم الأسواق أو مصادر التموين [م6].

  ويحظر قيام منشأة أو مجموعة منشآت بالاستغلال التعسفي:

                     1ـ لوضع مهين في السوق الداخلية أو جزء مهم من هذه السوق

         2ـ لحالة تبعية اقـتصادية يوجد فيها زبون أو ممون وليس لديه حل مواز وذلك عندما يكون

الغرض منه أو يمكن أن تترتب عليه عرقلة المنافسة أو الحد منها أو تحريف سيرها..م7.

2ـ ويلاحظ أن إشراك جمعيات حماية المستهلكين المعلن أنها ذات منفعة عامة في طلب مشورة المجلس يبرره هاجس

        الرغبة في إشراك ممثلي المجتمع المدني الذين لهم علاقـة بالاستهلاك في دعـم وحماية الحقوق الاقـتصادية

        للمستهلكين.

إلا أن ما يعاب على هذا المجلس كونه يبقى مجرد جهاز استشاري بدون فعالية كبرى لأنه يفتقد لسلطة التقرير التي ترجع إلى سلطة الوزير الأول بحيث بدون هذه الموافقة تبقى توصياته حبرا على ورق.

5ـ الحماية القضائية

لما كانت وظيفة النظام القانوني لعقد التأمين هي حماية الطرف الضعيف بقصد ضمان عدالة التوازن العقدي وتحقيق متطلبات استقرار المعاملات، فإن وظيفة القضاء هي حماية هذا النظام القانوني وتفعيله عن طريق ضمان تفسير موحد وعادل لقانون التأمين.

ويعتمد القضاء عدة آليات قانونية لحماية الطرف الضعيف في عقد التأمين سواء على مستوى تفسير الشروط الغامضة في العقد لمصلحته أو على مستوى الرقابة على الشروط التعسفية حماية لرضا المؤمن له من خلال نظرية عيوب الرضا وخاصة تفعيل الحق في الإخبار وكذا الحق في الرجوع بضمان صدور رضاء متنور ومتبصر بكافة شروط العقد.

وتختلف أهمية الحماية باختلاف قوة وفعالية هذه المؤسسات القانونية بكافة شروط العقد التي تروم في مجملها ضمان حماية متوازنة ومعقولة للمؤمن له.

ويجب على القانون أن يقوم بوظيفة اجتماعية من أجل حماية الضعيف في مواجهة القوي، المؤمن له في مواجهة المؤمن من أجل منع ومحاربة شروط معينة أو من أجل فرض شروط أخرى، ويجب أن لا يظهر المؤمن وكأنه أستاذ (maître) العقد أو يخلق القانون بإرادته وحده، بتأسيس شروط لا يمكن لمن أراد أن يؤمن نفسه إلا أن يقبلها أو فرض إرادة لا يمكن إلا للطرف الآخر أن يذعن لها وهو في الغالب  شخص جاهل profane يجهل المبادئ التقنية أو القانونية لعقد التأمين[1].

رابعـا: منهج البحث وخطته

        إن دراسة موضوع الحماية القانونية للطرف الضعيف في عقد التأمين البري يستلزم منا الاعتماد على المنهج التحليلي النقدي المقارن كآلية لبحـث مظاهر وآثار وحدود هذه الحمايـة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Jérôme Kullmann, Clauses abusives et contrat d’assurance, RGAT, 1996, p34.

وأهميتها، ومدى فعاليتها في جميع مراحل العقد على ضوء أحكام مدونة التأمينات الجديدة وقانون التأمين الفرنسي.

        فهل ساهم تعدد وتنوع أشكال ونظم الحماية موضوعيا وعضويا في تحقيق حماية فعالة للطرف الضعيف المؤمن له باعتباره طرفا مذعنا وغير متخصص يجهل صناعة التأمين ؟ وما هي حدود وآثار هذه الحماية على تحقيق التوازن العقدي ومتطلبات العدالة ؟

        تلكم إذن هي أهمية إشكالية الحماية القانونية للطرف الضعيف في عقد التأمين والتي حرص المشرع المغربي على جعلها حماية شاملة لجميع مراحل عقد التأمين، تمتد منذ الوهلة الأولى لعرض التأمين من جانب المؤمن بتوفير الحماية للمؤمن له عن طريق تبصيره بمكونات العقد المزمع إبرامه حتى يأتي رضاه خاليا من شوائب عيوب الرضا، لكن حماية رضاء المؤمن له ومصالحه الاقتصادية من العقد لم توقف عند مرحلة تكوين العقد، وإنما امتدت حتى لمرحلة تنفيذه وانقضائه لتلافي أي تعسف من جانب المؤمن.

        إن مناقشة أهمية إشكالية حماية المؤمن له يفرض علينا حسب ما تقتضيه طبيعة الموضوع معالجتها في مرحلة تكوين العقد [الباب الأول]، على أن نخصص [الباب الثاني] لبحث الحماية في مرحلي تنفيذ وانقضاء العقد.

خاتمة

لقد وُفق المشرع المغربي في مدونة التأمينات الجديدة في إضفاء حماية قانونية وإدارية وقضائية متوازنة ومعقولة للمؤمن له، الطرف الضعيف في عقد التأمين، شملت جميع مراحل العقد، واستهدفت أساسا تحقيق العدالة ومتطلبات استقرار المعاملات أي حماية النظام العام الاقتصادي والاجتماعي.

فعلى مستوى مرحلة تكوين العقد:

ـ شكل تبني المشرع المغربي للالتزام بالإخبار وحق الرجوع، لأول مرة في مدونة التأمينات، إحداث ثورة على النظام القانوني لنظرية العقد بوجه عام وعقد التأمين بوجه خاص باعتبارهما آلية مهمة وفعالة، وقائية وعلاجية، لحماية رضاء المؤمن له وتنويره وتبصيره بكافة شروط التعاقد.

وهكذا تم ضمان الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة لاتخاذ الخيار المناسب بالنسبة للمؤمن له، وحمايته من التدليس والغش، وأيضا ضمان الحق في الاختيار بأن يكون حرا في اختيار الخدمة التي يرغب فيها من خلال توفر خدمات متنوعة في السوق تضمن له المقارنة بين الأسعار والجودة، وأخيرا ضمان الحق في الرجوع عن العقد إذا تبين له عدم ملاءمة العملية التعاقدية لمصالحة الاقتصادية.

ذلك أنه في غياب الإرادة الواعية والصحيحة للطرف الأقل قدرة وخبرة، المؤمن له، ثبت واقعا وقانونا أن الإرادة غير الحرة والواعية لا تستطيع إنشاء عقد صحيح ومتوازن.

فحرية ووعي الإرادة شرطا لوجودها في نظر القانون، ولن يتحقق هذا الشرط إلا إذا توافر لكل من الطرفين العلم الكافي بالبيانات والمعلومات التي تتصل بالعقد المراد إبرامه.

لكن فعالية هذه الإجراءات الحمائية تستلزم:

* تدخل المشرع المغربي بإلزام كتابة جميع وثائق التأمين باللغة العربية تفعيلا لمقتضيات تصدير الدستور،

* تنظيم الإشهار في عقود الاستهلاك تنظيما محكما بجعله آلية مهمة لإخبار المستهلك وليس لتضليله، وتدعيم جانب الزجر في هذا التنظيم لتخليصه من الممارسات المنافية للمنافسة وحماية المستهلك؛

* تفعيل الرقابة الإدارية على الالتزام بالإخبار خصوصا في الجانب المتعلق منه بزجر مخالفات عدم تعليق الأسعار أو تجاوز السعر القانوني المحدد أو مخالفة قواعد الإشهار،

ـ وعلى مستوى مرحلتي تنفيذ وانقضاء عقد التأمين يلزم:

* منح القضاء سلطة إبطال الشروط التعسفية في عقود الاستهلاك بوجه عام، وفي عقود التأمين بوجه خاص متى ثبت وجود تعسف ناتج عن عدم توازن واضح بين حقوق والتزامات طرفي العقد، وذلك لتحقيق التوازن العقدي وحل إشكالية انعدام التكافؤ بين المتعاقدين كظاهرة جديدة مصاحبة لسيطرة العقود النموذجية في ميدان التأمين.

ولاشك أنه رغم أهمية التدخل التشريعي في إبطال بعض الشروط التعسفية في عقد التأمين، إلا أن هذا التدخل ظل محدودا بحكم تعدد هذه الشروط وتنوعها في الواقع العملي مما يستدعي وضع نظرية عامة لمواجهتها؛

* خلق أجهزة إدارية (organes de régulation) ذات فعالية موازية للقضاء تستهدف تنظيم العقود ومحاربة الشروط التعسفية، أو على الأقل تفعيل دور اللجنة الاستشارية للتأمينات بمنحها سلطة محاربة هذه الشروط وإجراء مراقبة بعدية وليس فقط قبلية لنماذج عقود التأمين المعروضة على المستهلكين بصرف النظر عن تاريخ عرضها في السوق [ليس فقط المعروضة لأول مرة]؛

* إجراء رقابة صارمة من طرف الوزارة الوصية على قطاع التأمين خصوصا في الجانب المتعلق بمراقبة الضمانات المالية لتنفيذ مقاولات التأمين لالتزاماتها تجاه المؤمن لهم مع تحميل الدولة مسؤولية كل إخلال بواجب الرقابة في حالة ثبوت أي تقصير في جانبها[1].

* منح مجلس المنافسة سلطة تقريرية لحماية المستهلكين من الآثار المنافية للمنافسة،

* التنصيص صراحة على قاعدة تفسير الشك لصالح المؤمن له،

* الحاجة إلى دور اجتهادي وخلاق أكثر مما رأينا للمجلس الأعلى لحماية المؤمن لهم من الشروط التعسفية انطلاقا من النظرية العامة للعقد [نظرية عيوب الإرادة، نظرية السبب، النظام العام، حسن النية، الشرط الإرادي المحض، الشرط الجزائي، تفسير الشك لصالح الملتزم، نظرية تكملة العقد]؛

* اعتبار القواعد القانونية الحمائية من النظام العام المطلق، لأنه لا يمكن حرمان القاضي من الحق الطبيعي في إحقاق العدالة التي لا تختلف باختلاف الأهلية القانونية للملتزم [العلم بالقانون أو إثارة تطبيق القانون أمام المحكمة]؛

ـ على مستوى الحماية الإجرائية للمؤمن له:

* الحاجة إلى مسطرة سريعة ومبسطة وغير مكلفة،

* تمتيع المستهلك بالمساعدة القضائية سواء على مستوى الرسوم القضائية أو على مستوى تمثيله من طرف محام.

* جعل قواعد الاختصاص المحلي من النظام العام،

* منع التحكيم في قضايا التأمين بالنسبة لغير الأخطار الكبيرة،

* منع القواعد الاتفاقية المعدلة للمسؤولية أو للإثبات،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     وهكذا جاء في قرار للمحكمة الإدارية بمكناس صادر بتاريخ 21/3/2001: «إن عدم ثبوت تقصير وزارة المالية في واجب الإشراف والرقابة المنوط بها، يجعل دعوة التعويض المقامة في مواجهتها تأسيسا على حالة الإفلاس التي وصلت إليها شركة التأمين المباشر ضدها التنفيذ، غير مؤسسة، وبالتالي يكون مآل الطلب، الرفض.»، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 42، ص198.

* إقرار الحق في التمثيل والمشاركة من خلال منح جمعيات المستهلكين حق تمثيل المستهلك أمام القضاء وأمام اللجنة الاستشارية للتأمينات، وأيضا منح هذه الجمعيات حق إبرام وإجراء مفاوضات جماعية مع ممثلي المهنيين، فضلا عن إشراكهم في وضع السياسات التي تهم مصلحة المستهلك[1].

ولا شك أن إصدار مدونة للاستهلاك من شأنه تفعيل الحماية التي يوفرها قانون التأمينات للطرف الضعيف الذي يعتبر هو الآخر شريكا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد وعامل أساسي من عوامل نجاح أي تنمية بشرية.

والله الموفق والهادي إلى الصواب.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ولعل عدم إقرار مثل هذه الحقوق هو الذي يفسر المكانة المتأخرة التي يحتلها المغرب ضمن الدولة الإفريقية في مجال حماية المستهلك، للمزيد من الاطلاع، راجع:

   ـ محمد بوزلافة، حماية المستهلك بالمغرب بالموازاة مع تطور الحركة الحمائية بإفريقيا «نتائج دراسة قامت بها المنظمة الدولية للمستهلك»، مداخلة غير منشورة ألقيت على هامش اليوم لعالمي لحماية المستهلك بقصر المؤتمرات بفاس يوم الخميس 16 مارس 2006.