حماية المستهلك من الشروط التعسفية

اعداد: منير البصري- احمد المنصوري

المطلب الثاني : نماذج للعقود الإستـــهلاكية التعسفية

نظرا للتقدم التكنولوجي والإقتصادي الذي عرفه العالم في العقود الأخيرة كتوحيد نماذج وأنماط السلع والمنتجات ، وتعقد صناعتها والتوزيع بالجملة في أماكن متفرقة ، لهذا يتم تحرير بعض العقود بصفة مسبقة بالكامل بواسطة أحد المتعاقدين وهذا ما يسمى بالعقود النمطية أو عقود الإذعان.

وهذا ما سنتطرق إليه في الفقرة الأولى ، أما في الفقرة الثانية سنوضح مظاهر التعسف في العقود الإستهلاكية " عقد التأمين" عقد القرض" ، "كنموذج "

الفقــرة الاولى : عقــد الإذعـان

          أ-مفــهـوم عقــد الإذعـان

إن عقود الإذعان كما في عقود شركات التأمين والنقل، وعقود المرور، وشركات الغاز والمياه ومصالح البريد وغيرها بلغة الحقوق الحديثة هي كبقية العقود متكونة من إيجاب ورضا الطرفين، إلا أن القبول يتميز بأنه مجرد إذعان لما يمليه عليه الموجب وسمي هذا العقد بالفرنسية " عقد الانضمام" حيث أن من يقبل العقد إنما ينضم إليه دون أن يناقشه ، إلا أن الاستاذ السنهوري آثر تسميه في العربية " عقد الإذعان" لما يشعر به هذا التعبير من معنى الاضطرار في القبول وقد شاعت هذه التسمية في اللغة القانونية من فقه وقضاء.

ويتميز الإيجاب في عقود الإذعان بأنه معروض بشكل مستمر على كافة الناس، بمعنى أن يكون ملزما بالنسبة للموجب لمدة أطول بكثير من المدة التي يلزم فيها الإيجاب في العقود المعتادة.

أما فيما يخص طبيعة عقود الإذعان فقد ذكر السنهوري انقسام الفقهاء في طبيعة عقود الإذعان إلى مذهبين رئيسيين:

أولهما : يرى أنها ليست عقودا حقيقية وقد ترأس هذا المذهب الاستاذ سالي يرى وتبعه فقهاء القانون العام مثل " دبجين و هوريو" حيث أنكر على عقود الإذعان صبغتها التعاقدية ، إذا العقد توافق إرادتين عن حرية واختيار أما هنا فالقبول مجرد إذغعان ورضوخ.

فعقد الإذعان أقرب إلى أن يكون قانونا أخذت شركات الاحتكار باتباعه فيجب تفسيره كما يفسر القانون ويراعي في تطبيق مقتضياته العدالة وحسن النية وينظر فيه إلى ما تستلزمه الروابط الإقتاصدية التي وضع تنظيمها.

فالمذعن في عقد الإذعان لا يستطيع إلا أن ينزل إلى حكم شركات الإحتكار فالرابطة القانونية بين المذعن والمحتكر قد خلقتها إرادة المحتكر لوحدها وهذه الإرادة المنفردة للمحتكر هي بمثابة قانون ، أخذت شركات الإحتكار الناس باتباعه شأن كل قانون، فتفسير العقد الإذعاني وتحديد اللالتزامات يفسر القانون لا باعتبار أنه وليد إرادة الأطراف.

ثانيهما : يرى غالبية فقهاء القانون المدني أن عقد الإذعان عقد حقيقي يتم بموافقة إرادتين ويخضع للقواعد التي تخضع لها سائر العقود ومهما قيل من أن أحد المتعاقدين ضعيف أمام الآخر فإن هذه ظاهرة اقتصادية لا ظاهرة قانونية وعلاج الأمر لا يكون بإنكار صفة العقد عن عقد حقيقي، ولا يمكن للقاضي من تفسير هذا العقد كما يشاء بدعوى حماية الطرف الضعيف فتضطرب المعاملات وتفقد استقرارها ، بل إن العلاج الناجع هو تقوية الجانب الضعيف حتى لا يستغله الجانب القوي. وتقوية الجانب الضعيف يكون بإحدى وسيلتين:

1- وسيلة اقتصادية فيجتمع المستهلكون ويتعاونون على مقاومة التعسف من جانب المحتكر.

2- وسيلة تشريعية فيتدخل المشرع لا القاضي لينظم عقود الإذعان

أخيرا يمكن أن تقرر عدة ملاحظات على عقود الإذعان تجعله لا يختلف عن بقية العقود التي لا إشكال في صفتها العقدية وهي:

- إن أكثر العقود فيها إذعان من أحد الطرفين لآخر، إذا كان أحدهما مضطرا للآخر أو كان كلاهما مضطرين للتعاقد.

- إن عقود الإذعان تحتوي على ضرر أقل من العقود الأخرى التي يضطر إليها أحد الأطراف لأن الإيجاب في عقود الإذعان يكون عاما للجميع بصورة واحدة فبندر أن يكون غلط في العقد أو تدليس .

- أن المحتكر في عقود الإذعان ليس له غلبة على غيره لأنه هو أيضا خاضع للظروف الإقتصادية المحيطة به، فهي تضطره وتملي عليه شروط العقد وليس هو الذي يملي شروط العقد على الطرف الآخر حقيقة.

بل قد يكون المحتكر أضعف من المستهلكين كما يحصل عند اجتماع كلمتهم على محاربته.

         ب- خصائص عقد الإذعان

يمكن إجمال خصائص عقد الإذعان في 5 خصائص :

·                 الإيجاب في عقد الإذعان يتميز بانه معروض بشكل مستمر على كافة الناس

·                 الإيجاب يكون ملزما للموجب لمدة أطول من الإيجاب في العقود المعتادة

·                 عقد الإذعان غالبا ما يكون مكتوبا بصفة مسبقة

·                 الطرف القوي في عقد الإذعان غالبا ما يكون محتكرا للسلعة أو الخدمة

·                 غياب مناقشة بنود العقد.

الفقرة الثانية :مظاهر التعسف في العقود الاستهلاكية

باعتبار العقود الإستهلاكية مجالا رحبا لوجود الشروط التعسفية بالتالي فهي تنعكس سلبا على المستهلك في كافة أوجه الحياة، وهنا سأتعرض لعقدين كنموذج لمظاهر التعسف في العقود الإستهلاكية ، عقد التامين " أولا " وعقد القرض الإستهلاكي " ثانيا " لكن لابأس قبل ذلك أن نورد تباعا بعض أنواع عقود الإذعان .

فإذا نظرنا إلى الخصائص الثلاث لعقود الإذعان تمكنا أن تعتبر من عقود الإذعان ما يلي

1-عقدود شركات الكهرباء والغاز والمياه ومصالح البريد والتبليفونات إذا كانت منحصرة في جهة واحدة، وتملي شروطها بدون مناقشة وتخفف من مسؤوليتها وتشدد من مسؤولية المتعاقد.

2- عقود النقل بواسئله المختلفة من سكك حديدية وكهربائية وبواخر و سيارات وطائرات وغير ذلك .

3-عقود شركات التامين إذا كانت منحصرة بين الدولة ومؤسساتها وكانت ضرورية

4- العقود مع المستشفيات التي تحصر الأجهزة المهمة للعمليات الكبرى التي يحتاجها المريض عندها.

5- عقود المرور في الطرق العامة للسيارات التي باعتها الدولة لشركة أو مؤسسة مع حاجة الناس إلى هذا الطريق المهم ولا يوجد بديل لهم عنه.

6- عقود الإيجار التعسفية التي تضعها وزارة الأوقاف لموقوفاتها التي أوجدت حق التقدم لشخص حقيقي أو حقوقي .

وهكذا كل عقد يظطر إليه الفرد ويذعن له مع شروطه التعسفية " عند عدم وجود مناقشة حرة" لا تقبل المناقشة مع تخفيف مسؤولية الشركة و تشديد مسؤولية المتعاقد.

أ- عقد التأمــين

استقر الاجتهاد الفقهي والقضائي منذ زمن ليس بالقصير على أن عقد التأمين هو نموذج حي ومتجدد على عقود الإذعان.

ولكن إذا تم تطبيق شروط الإذعان " التقليدية"على عقد التأمين وفق ما هو مشار إليه أعلاه يصعب القول بأن عقد التأمين عقد التأمين هو عقد إدعان بصورة مطلقة وذلك على النحو التالي :

أولا : فمن شروط عقد الإذعان كما ذكرنا أن هناك احتكار للسلعة أو الخدمة وهذا غير متوفر في التأمين إذا أن هناك حوالي 22 شركة نشيطة للتأمين -5- تمارس أعمال التأمين المختلفة مما ينفي عنصر الاحتكار عن هذه الخدمة .

ثانيا : إن خدمة التأمين في مجتمعنا ليست من الخدمات الضرورية ولا يتعبرها ممجتمعنا كذلك باستثناء التأمين على المركبات ضد الغير -6- فهذا النوع من التأمين يعتبر ضروريا لأنه مفروض بقوة القانون، مما أصبغ عليه طابع الضرورة القانونية وليس طابع الضرورة الواقعة أو الفعلية.

أما ماعدا ذلك من أنواع التأمين أو من بعض أنواعه-7- ، فإنه أقرب ما يكون في رأي الكثيرين إلي الترف منه إلى الضرورة في مجتمع كمجتمعنا مما ينفي عن التأمين شرط الضرورة.

وبالرغم من كل ما سبق يبقى التأمين عقد إذعان لكون أن المؤ من يفرض في الغالب شروطه على المؤمن لهم ، فيعد تلك الشروط في شكل نماذج مطبوعة " عقود نمطية" يعرضها على الناس كافة وليس لهؤلاء إلا الانضمام إلى ما يعرض عليهم أو رفضه دون أية مناقشة-8-.

ومن بعض مظاهر التعسف في عقد التأمين نجد أن المؤمن هو الذي يستقل عمليا بتحديد المخاطر التي يقبل تغطيتها

كما يشترط المؤمن في عقد التأمين توليه بنفسه الدفاع عن المؤمن له في دعاويه.كما أن شركات التأمين تحكم القبضة على المؤمن لهم في الانتظام في دفع القسط في الوقت التي تضع في العراقيل دون حصولهم على مبلغ التأمين كما يقول خبير التأمين هنزديترمر.